ميزان لكلام

حراك الريف.. وسؤال الاستقرار – فؤاد السعدي

الجريدة – فؤاد السعدي

لا ندرى لماذا كل هذا الخوف والترهيب من حراك اتخذ السلمية سبيلا منذ ما يزيد عن الستة أشهر؟ ولماذا التضخيم من حجم حراكٍ لم يقم سوى من أجل تحقيق حد أدنى من المطالب العادلة والمشروعة في منطقة عاشت ساكنتها لسنوات التهميش والإقصاء؟ أَليس للمواطن الحق في الشغل والتطبيب والسكن والعيش بكرامة ؟ وهل عَجْزُ الدولة عن تلبية هذه المطالبة البسيطة هو ما دفعها إلى تهوين هذه الاحتجاجات، والعمل على نشر الذُعر بين المواطنين حتى تُقنعهم بأن التمادي فيها سيجر البلاد نحو مصير مجهول، ومنزلقات خطيرة مثال ما يقع اليوم بسوريا وليبيا واليمن وغيرها؟  لماذا كلما سَعتِ الدولة إلى إطفاء لهيب الاحتجاجات، كلما زادت هذه الأخيرة اشتعالا وشرارة؟ لماذا تتجه الدولة دائما نحو المقاربة الأمنية، عوض اختيار منطلقات أخرى؟ ألا تعلم أن قمع الاحتجاجات لا ينهيها تماما بل يؤجلها حتى تشتد وتتقوى؟

فالتجارب أثبتت أن الاعتماد على المقاربة الأمنية لن يخلِّص البلاد مما هي فيه من مشاكل عدة، وعلى رأسها تفشي الفساد، والتلكؤ بمحاسبة المفسدين، بل سيزيد من منسوب فقدان الثقة لدى المواطن، وبالتالي إحساسه بعدم الاستقرار وعدم الأمان، وهما عنصران لا يمكن التكهن بعواقبهما إن تحققا. مما يفسر انسداد أفق الحوار الجاد لدى الدولة في الإنصات لهموم ومشاكل المواطنين، وعدم رغبتها في السعي لإيجاد حلول ممكنة قادرة على إخراج المجتمع من النفق المسدود، وبلورة استراتيجيات جادة قابلة للتزيل من جهة، وكفيلة بتحقيق الحد الأدنى من الكرامة من جهة أخرى.

كما أن الجنوح للقمع في فض التظاهرات يفسر على أن هناك خللا في بنية الدولة، وضعفا في تشخيصها للأوضاع المعيشية لمواطنيها. هو ما حصل مع حراك الريف عندما لجأت إلى خلق خط ثاني معاكس، والعمل على تجييش أنصاره بكل الوسائل الممكنة مستغلة بذلك الصحافة ووسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، عوض الانشغال بإيجاد حلول واقعية كفيلة بإقناع المواطنين المحتجين برغبة الدولة في الاستجابة لمطالبهم، لا أن تسعى إلى فبركة سيناريوهات من قبيل الترويج لخطاب الفتنة ومحاولة زعزعت استقرار البلاد، أو محاولة الطعن في شخص قادة الحراك وشيطنتهم واغتيالهم رمزيا باتهامهم تارة بالانفصال، وتارة أخرى بالعمالة لصالح جهات أجنبية مستعملة بذلك أسماء كانت تعتقد أن لها صيتا وذات مصداقية لدى الرأي العام، وما هي في الحقيقة سوى مجرد أبواقا ثبت أن لا تأثير لها، بل الشيء القليل من المصداقية التي كانت تمتلكه قد فقدته بخرجات تعتمد التظليل والتخوين والإفك.

فعندما خرج محلل الدولة منار السليمي وزعم أن قادة الحراك يخدمون “أجندة إيرانية شيعية بدعم من 25 ألف مغربي شيعي يقيمون في بلجيكا، هدفها ليس الانفصال بل خلق كيان داخل الدولة لإنشاء موطئ قدم لإيران وللشيعة…” فماذا يعني  هذا؟ أوصلت به الجرأة حتى يسيتبلد عقول المغاربة بهذه الطريقة؟ و حتى لو سلمنا مجازا بما قاله كيف وصل السليمي، أو بمعنى أخر كيف أوصله ذكاءه لهذه الحقيقة، قبل أن تصل إليها أجهزت المخابرات وهي معلومة تصنف غاية في السرية؟ أما وإن قالها فشيء من إثنين إما أن السليمي يتوصل بمعلومات من مصادر خارجية، غالبا قد تكون عبر علاقاته مع مجلس الجالية ومن خلال أمينه العام، وإما مُكن من هذه المعطيات من طرف أجهزة رسمية على اعتبار أنه رئيس لمركزين يهتمان بالدراسات الأمنية والاسترتيجية، وإما أنه يجهل العقلية الأمازيغية ومدى ارتباطها بالمنظور والمحسوس، وأنها لا تؤمن بثقافة الباطن والمستور. نفس الأمر بالنسبة لمهجن العقول الضعيفة “الكلشاوي” مأمون الدريبي الذي جرته العنترية إلى تهديد الزفزافي ونشطاء حراك الريف بالقول: “حشمت نجمع ولاد عمي ونطلع تما نقطعك” وهي إشارات نكشف من خلالها وبالملموس المدى الذي وصلت إليه السلطة للجم أصوات المحتجين عن طريق استعمال وسائل دون تبرير للغايات، أبالعنترية يلجأ العقلاء إلى حل الأزمات؟ أليس ما قاله الدريبي تحريض صريح على القتل والعنف وتعزيز لخطاب الكراهية الذي يعاقب عليه القانون، ويستوجب تدخل النيابة العامة؟ وما رأي الهيئة العليا للاتصال السمعي البصرى “الهاكا” فيما قاله على أمواج إذاعة خاصة؟  هل سيتم اتخاذ إجراءات ردعية في حق البرنامج والإذاعة حتى لا تتكرر مثل هذه الانزلاقات الخطيرة ؟ أم أن خدام السلطة فوق القانون مكفولون بالحماية عندما تستعملهم في مآربها.

نفس الشيء ينطبق على الفيزازي الذي أصبح بحثه عن “buzz”، ونسبة المشاهدة على صفحته على “الفايسبوك” أكثر من سعيه في طلب العلم والتظلع في أمور الدين، فلا تكاد تنفجر قضية ما، حتى تراه من المبادرين المسارعين لخطف الأضواء، مرة مدافعا عن أبيظار، ومرة منتقدها. مرة مهاجما شخص مدونة لمجرد أنها أدلت برأي لم يرق له، ومرات مفحما عصيد بالسُباب والشتم لأنه لا يستسيغ أفكاره، ومرة تراه يدلي برأيه في “قضية مدراس” وغيرها، المهم متى كانت نسب المتابعة عالية في أي قضية أو فضيحة إلا وترى الفيزازي حاضرا في الصفوف الأولى مبتغيا أجره في ذلك جملا من “اللايكات” والمتابعات، وحتى إن لم توجد فهو قادر على الاستفزاز لتحويل الأضواء اتجاهه. ولعله وجد ضالته في حراك الريف وقادته، وتحقق له ما يصبو إليه عندما وصلت رسالته الموجهة إلى الزفزافي وساكنة الريف الحبلى بلغة التخوين والشيطنة والاتهامات دون حجة أو بيان، نسبة مليون مشاهدة، كأنه حن لزمن التشدد الذي كان يتحكم في ردود أفعاله، ومع هذا الإنجاز الخرافي جاز أن نسميه “الفيسبوكي الفيزازي” الذي لا يشق له غبار في العالم الأزرق. ورغم ذلك جاءت كل هذه الأدوات التي استعملت من أجل الطعن في مشروعية الحراك ومن يقوده بنتائج عكسية بسبب الوعي والنضج الذي أبان عنه الريفيون خصوصا منذ بدأ تعاطف المغاربة مع قضيتهم وهو الأمر الذي لم تستسغه السلطة  لتبدأ في سيناريوهات الاعتقالات وتزيد الوضع تأجيجا ليس في الحسمية فقط بل في العديد من المدن.

غير أن الحقيقة التي كشفها التدافع المجتمعي بإقليم الحسيمة، هي سحل أجهزة الوساطة بالمنطقة من أحزاب ونقابات وهيئات مدنية وكذا المصالح الخارجية وهيئات المنتخبين، الأمر الذي يفسر أن هذه الهيئات قد تم نفخ فيها كماً و نوعاً، وان الدولة حينما راهنت عليها لخمد الحراك أو على الأقل امتصاص حدته، و جدت نفسها أمام أُسودٍ بلا أنياب و لا مخالب، الطامة الكبرى أن المحتجون أنفسهم لم يجدوا في تلك المؤسسات الوسيطة المحاور المقنع لنقل مطالبهم و إدراجها ضمن أجندة الفاعلين الرسمين.

دون أن ننسى أن حراك الريف وما تلاه، قد عرى على عورات واقع ظل متواري لعقود، ألا وهو قطاع الصحافة والإعلام الذي فقد تلك القيم المهنية التي كان يتحلى بها عندما زاغ عن خط الحيادية. فاليوم مصيبتنا ليست ازدياد وثيرة الاحتجاجات، بل في الانحطاط والغثيان الذي وصلت إليه بعض الصحف والمواقع الإلكترونية التي أصبحت فضاء يُسخر للهجوم واستعداء المجتمع لدرجة وصل فيها بعض أفراده إلى  مطالبة الدولة بحصار واعتقال والتنكيل بنشطاء الريف والمدافعين عن مطالب ساكنته، وهي إشارة على انهيار  القيم المهنية واستبدالها بقيم المسخ والتبعية والنفعية. وبهذا يكون حراك الريف بداية الإجهاز على دور الصحافة الذي كان بمثابة نبض الواقع، وضمير الأمة، والمدافع عنها، والمتصدي الأول للفساد الذي ضرب بجذوره في البلاد. فأين نحن  من تلك الصحافة التي تقود المجتمعات للبناء وتحقيق حلم الحق في الإعلام، ونشر الحقيقة والمعلومة دون مغالطة أو تزييف لدقة وحساسية المعلومة وقدرتها الرهيبة على الشحن، فالإعلام سلطة حقيقية كاملة الأركان، ومؤسسة نافذة في المجتمعات يجب على السلطة أن ترفع اليد عنها.  فهل للسلطة نية لإعادة قراءة خططها؟

المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Google Analytics Alternative
إغلاق