الرياضة المكناسية.. جيفة نتنة تثير شهية الضباع – فؤاد السعدي

الجريدة – فؤاد السعدي

كثير هم من يعتقدون أن تدبير الشأن الرياضي الوطني أو المحلي من المهام الهينة التي يمكن توليها وتحملها. بالمقابل يدرك العارفون بخبايا هذا الميدان المتشعب المعارف، والمتنوع الخصائص، أنه عِلمٌ قائمٌ بذاته، كونه يهتم بتنمية الكائن البشري في بدنه ومداركه، وبالتالي فحتى القراطيس لا تتسع للبحث في أغواره وتحديد معالمه العميقة لغزارة كينونته المعرفية وارتباطها المتين بتقدم وتطور الأمم على مر العصور.

فالشأن الرياضي أضحى من الدعامات الأساسية والواعدة للتنمية المستدامة لارتباطها الوثيق بالأقطاب العلمية والتربوية والصحية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفنية، التي لا يتسع المنير حتى لذكر البعض منها. في الوقت الذي يحصُرُه بُسطاء العقل ممن تولوا مهمة تدبيره محليا  في مجرد نتائج وألقاب أو هوايات ترفيهية لا أقل ولا أكثر، و أنه وُجِدَ لاستئناس تارة، وللترويج السياسي وامتصاص غضب الشارع تارة أخرى. وهنا مكمن الخطر، لأن جهل الفَاعِل السياسي والاستهانة بدور الفِعْل الرياضي قد يدفعه إلى تكليف أشخاص ليس بهدف تحقيق الأهداف المسُطرة، ولكن فقط لسدِ الخَصَاص في الهيكل الإداري، وهو ما حدث يوم تم تعين شخص على رأس مصلحة الشؤون الرياضية بجماعة مكناس، وهو لا يتوفر على أي مؤهل علمي يمكنه من تشخيص الداء  وتحديد الدواء، اللهم درايته الكبيرة بمنطق “من أين تؤكل الكتف”، فأن تَتَقَلدَ مسؤوليةً ما وأنت جاهل تماما بدورها وخصائصها فهذه جريمة لا تُغتفر.

هي توطئة لمجموعة من المقالات سنحول من خلالها النبش في واقع الجسم الرياضي المكناسي العليل، بعد أن أنْهكَه الفساد، حتى أصبحت روائح العَفَن المنبعثة منه تثير شهية الضِّباعِ ممن أَلفُوا الاقتيات على لُحُوم الجِيَف النتنة.  وكما أنها فرصة أيضا نمنحها لذوي الثقافة المحدودة في تدبير الشأن الرياضي المحلي بالمدينة كي نُعرفهم أن الرياضة وُجدتْ لتجمعَ لا لتُفرق، لتُقوي لا لتُضعف، لتُسعد لا لتُحزن، وأنها بريئة من كل المزايدات والصراعات والتطاحنات والمكائد. هذا الواقع المر الذي لم يعد اليوم أي مكناسيٍّ حر يطيقه، أو يطيق الحديث عنه، لأنه صار وصمة عار على جبينه، بعد أن كان حتى وقت قريب فخرا وذخرا. فمن أوصل الرياضة المكناسية إلى القاع؟

دون عناء تفكير قد يبدو الجواب سهلا، لكن في الحقيقة هو صعب أكثر مما يتصوره البعض، ولن نختزله في اسم شخص أو اثنين، ولكن في منظومة ككل، بدأ بالمسير الرياضي، وانتهاءً بمن يتولى تدبير الشأن المحلي بالمدينة من سلطة مُنتخبة وسلطة مُعينة. وحتى يسهل تشخيص الحالة، وتحديد المسؤوليات، يبقى السؤال البديهي طرحه قبل الإجابة عن من، هو متى؟ حتى نتمكن من تحدد بداية مرحلة اندحار  الرياضة المكناسية. وهنا لن يختلف اثنان في أن يوم تأسيس المكتب المديري للنادي الرياضي المكناسي، هو ذات اليوم الذي سيتم الإعلان الضمني عن اغتصاب الرياضة بالمدينة، يوم تفتقت قريحة بعض الخفافيش في أن يجتمعوا في تنظيم واحد لتسهل عليهم عمليات النهب والخطف والكيد من خلاله. ولأنهم يعزفون على نوتة الإفساد، ويتقنون الحفاظ على ميزان نغماته،  فقد سَرَّعتْ مؤامراتهم ومكائدهم ودسائسهم مهمة القضاء على ذوي النيات الحسنة ممن أرادوا الخير للمدينة ولرياضتها، لتُخلي لهم أجواء تحقيق غاياتهم، وتنصرف بالتالي كل الفعاليات الرياضية الغيورة، أو بالأحرى لتفر بجلدها خوفا من أن تنهش أجسادها الضباع التي لا تعف شيئا.

هذه هي حكاية اندحار النادي المكناسي المؤلمة، وللأسف فقد ساعد على هذه المؤامرة الدنيئة، زمرة من أرذل القوم، وقفوا موقف المتفرج على مشهد هتك عرض “الكوديم” بالعنف، إما بدافع الخوف أو الخنوع أو الجبن أو الصمت أو أشياء أخرى، ولكل موقف من مما سبق ثمنه، فإن نسي هؤلاء ما اقترفت أيديهم فالتاريخ لا ينسي. فماذا لو كانت كل فروع النادي الرياضي المكناسي مستقلة عن بعضها البعض؟ ألن يسهل التصدي لمؤامرات المفسدين ومحاصرة مخططاتهم ما ظهر منها وما بطن، وكل ما من شأنه أن يسيء لمسارها؟ وحتى في غياب النتائج ألن يسهل محاسبة مسيرها والقائمين عليها؟ اليوم من هو الأولى بالمحاسبة؟ رئيس فرع ما؟ أم رئيس المكتب المديري؟  أم هما معا؟

هو سؤال نرفعه لمسؤولي مكناس، وعلى رأسهم عامل عمالة مكناس، ورئيس جماعة مكناس، في أن يتحمل كل من موقعه مسؤوليته، وأن قضية “الكوديم” ليست مجرة كرة يقذفها كل منهما في مرمى الآخر، حتى وإن كان الجزء الأكبر من المسؤولية يتحمله الأول، لأن التجربة أثبتت أن تنمية القطاع الرياضي محليا لا يتأتى إلا بدعم ولاتها أو عمالها، ومنطق القذف بالجمرة في حِجْر الآخرين لم يعد مجديا.  ولا نشك في ذكائهما، ففي السؤال نصف الجواب، وبالتالي ما عليهم سوى النزول بثقلهم ودعوة كل الفاعلين الاقتصاديين بالمدينة للقيام بدورهم ودعم النادي، من اجل إعادة الثقة لآلاف الجماهير المكناسية المشتاقة للأمجاد والمتعطشة للنتائج الايجابية، الساخطة على النتائج التي تم تحقيقها وعلى الطريقة العبثية التي يتم بها تدبير كل فروع النادي الرياضي المكناسي بدون استثناء، ويكفي أن نعرف من يترأسها حتى نتأكد ألا خير يرجى من الرياضة بمكناس لا اليوم ولا غذا، وأن المال العام الذي يضخه مجلس جماعة مكناس كل سنة، إنما كما يصب الماء على الرمل، وأن الوقت قد حان كي يُفعِّل رئيس جماعة مكناس مبدأ محاسبة هؤلاء الذين اعتادوا على مقولة “المال السايب” وفي زمن “السيبة” كذلك. فصرف مال الشعب يجب أن يخضع لضوابط علمية محدودة، وأولى هذه الضوابط السهر على تكليف مسؤولين ممن تتوفر فيهم شروط الخبرة والكفاءة العلمية والتقنية، وليس أشخاص لا يتعدى مستواهم الدراسي الثانوي، وكل مؤهلاتهم إتقانهم لغة مسح أحدية رؤسائهم أو حتى لعقها إن اقتضى الأمر ذلك، وأن فترة تحملهم المسؤولية أبانت عن عجزهم حتى على انجاز بحث دقيق على كل الرياضات أو موافاة مجلس الجماعة بمرجعيات ميدانية يتم الاعتماد عليها في بناء الاستراتيجيات أثناء التهيئ للمشاريع والبرامج، فكيف يعول عليهم  وفاقد الشيء لا يعطيه.

فالرئيس بوانو مطالب اليوم أكثر من ذي قبل بالحرص على النتائج التي حققتها كل فروع “الكوديم”  بعدما استفادت من شراكات مع الجماعة بملايين الدراهم، ولم تحقق شيئا يذكر، وسيشهد التاريخ أن مجلس جماعة مكناس بكل مكوناته من أغلبية ومعارضة، لم يبخل في تقديم الدعم المادي اللازم والضروري لتطوير الرياضة بالمدينة. لكن وللأسف هذا الكرم قابلته خيبات الأمل، ليتأكد للجميع أن مصيبة “الكوديم” ليس في قلة موارده المالية، بل في عقلية  من يدير فروعه. وهي مناسبة من ضروري تفعيل مبدأ المحاسبة مع هذه الفروع، بتكون خلية يشرف عليها الرئيس نفسه ومن يراه مناسبا لإسداء النصح والتوجيه، وبحضور كل فرع على حدا لمعرفة إن كانت هذه الأخيرة قد إلتزمت ببنود الشراكات التي أبرمت معها، وأن لا يكتفي بمجرد تقارير ترفع إليه من جهات تُنصب نفسها حكما وطرفا في نفس الوقت “والفاهم يفهم”. فحسب العارفين مدة ثلاثة سنوات التي تم خلالها إبرام اتفاقيات الشراكة بين جماعة مكناس وبعض فروع “الكوديم” كافية لمعرفة ماذا تحقق؟ ومالذي لم يتحقق؟ ولماذا؟ لأن الحكم في أخر المطاف لا يكون على النوايا بل بالانجازات.

وهو ما سيتم التطرق إليه بالتفصيل والتحليل عبر سلسة مقالات من توقيع عزيز السعدي أستاذ التربية البدنية والرياضة، الذي راكم تجربة واسعة في ميدان التأهيل الرياضي ناهزت  قرابة  35 سنة مكنته من الاطلاع عن كثب على مكامن الضعف والقوة في مختلف الأنواع الرياضية بمكناس.

… يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى