ماذا يقع لجنرالات الجزائر؟

بقلم / توفيق رباحي

الذين صدّقوا أن قرارات العزل والتعيين المتتالية في هرم قيادة الجيش الجزائري منذ أكثر من شهر، ترمي إلى تطهير المؤسسة من الفاسدين، أو تشبيبها من «الشيوخ»، أو تقديم الأكثر كفاءة إلى الصفوف القيادية، مَن صدّقوا هذا عليهم التفكير ثانيةً.
يصعب التصديق أن أيًّا من الأسباب آنفة الذكر وراء تلك القرارات.

يصعب التصديق أيضا أن الرئيس بوتفليقة وراء هذه الحملة. ربما وضع توقيعه على قرارات التنحية والتعيين، من دون أن يدرك بدقَّة فحوى ما وقّع عليه، لكن أن يكون هو صاحب الفكرة والقرار والتنفيذ، فهذا ما يصعب تقبّله بالنظر إلى حالته الصحية المتردية والتي رأى الجزائريون بعضا منها خلال «استقبال» الرئيس للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الأسبوع الماضي: كان مجرد ظل لنفسه، غائب الذهن ينظر في الفراغ. بينما كانت ميركل، في حقيقة الأمر، في ضيافة المترجم. لا يمكن أن يكون بوتفليقة الذي «استقبل» ميركل هو نفسه صاحب أكبر القرارات، كمًّا ونوعا، التي تستهدف قيادات الجيش الجزائري خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إن لم يكن منذ الاستقلال.

عموما، الرئيس بوتفليقة على هذه الحال منذ أكثر من خمس سنوات، والمحيطون به يوعزون لفرقة المريدين، كلما تطلب الأمر، تسويق أنه الآمر الناهي. الفرق هذه المرة أن القرارات التي مسّت رأس الجيش، وأبعدت نحو 15 من القادة النافذين للجيوش والنواحي العسكرية والمدراء المركزيين، جريئة وترقى إلى حملة تطهير.

من حيث العلاقات العامة، محليا، لا شك أن تلك القرارات حققت بعضا من أهدافها، وأكسبت الرئيس نقاطا سيضيفها مريدوه إلى «سيرته الذاتية» عندما تبدأ الحملة الانتخابية للولاية الرئاسية الخامسة. وستكون تلك القرارات ورقة رئيسية من أوراق حملة بوتفليقة. فعلاقة الجزائريين بالجيش مركّبة، ينظرون إليه بوقار واحترام، وفي الوقت ذاته مقتنعون بأنها علبة الأسرار الأكبر، وبأنه صاحب نفوذ مطلق كرّس في المخيال الشعبي أن المرء، كي يشق طريقه بلا مطبات، لا بد أن يكون ابن جنرال أو وراءه جنرال. وعليه، يصبح أيّ قرار يخص قيادة الجيش مرادفا لجرأة استثنائية.

دوليا، قد ينطلي الأمر على بعض الدول غير المهتمة مباشرة بالشأن الجزائري فتتقبل أن الرئيس ينفذ حملة تطهير وتشبيب. وقد تتقبل الأمر كذلك دول لا تهمها التفاصيل بقدر ما يهمها أن تبقى الجزائر مستقرة وماضية في أداء الأدوار الأمنية المطلوبة منها (الولايات المتحدة نموذج لهذه الفئة من الدول). يبقى أن سفارات الدول الكبرى لها قراءتها للموضوع وموقفها منه، تحمله بلا شك البرقيات السرية التي ترسلها إلى عواصمها.

لكن المتأمل في تلك القرارات يرى بسهولة أنها تدين صاحبها قبل أن تدين الذين استهدفتهم بالعزل.
إذا كان مسوغ عزل هؤلاء الجنرالات، أنهم فاسدون ولصوص، فهناك سؤال لا بد من طرحه: بوتفليقة وعائلته وأصدقاؤهم موجودون على رأس الدولة منذ قرابة عشرين سنة، لماذا انتبهوا اليوم فقط لوجود هؤلاء الفاسدين المفترضين؟ وهل هؤلاء جميعا فاسدون؟
وإذا كان مسؤّغ عزل هؤلاء الألوية إحلال الكفاءة مكان الفشل واللاكفاءة، فلماذا انتظر بوتفليقة عشرين سنة أو نحوها ليكتشف أنهم عديمو كفاءة؟ وهل هؤلاء جميعا غير كفوئين؟

وإذا كان المسؤِّغ ضخ دماء جديدة في قيادة الجيش و«تسليم المشعل» لجيل الشباب، يجب العلم أن المعيّنين الجدد لا يختلفون عُمراً عن المعزولين. كذلك يكفي الانتباه إلى أن الرجل الأول في الدولة، بوتفليقة، تجاوز الثمانين من العمر، والرجل الأول في الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، في منتصف الثمانينات.

وإذا كان مسؤّغ عزل هؤلاء الجنرالات أنهم ضد الولاية الرئاسية الخامسة، أو قد لا يدعمونها، فهذا معناه أن أهم قيادات المؤسسة العسكرية (باستثناء أحمد قايد صالح رئيس الأركان) غيّروا رأيهم في بوتفليقة. ومعناه أيضا تأكدُ أن مركز الثقل في دعم بوتفليقة انتقل من الجيش إلى البيروقراطيين وأصحاب المال والمهرجين السياسيين من أمثال جمال ولد عباس.

قدّرُ الجزائر أنها يقودها أشخاص لم يتعودوا على الشفافية فأصبحوا يعشقون الغموض. وقدر الجزائريين أن قيادة بلادهم تراهم أصغر من أن يحق لهم معرفة ما وراء القرارات السياسية والاقتصادية الكبرى. قادة البلاد، وعلى رأسهم بوتفليقة، يتخذون القرار ونقيضه من دون أن يرف لهم جفن، ومن دون أدنى شعور بالمسؤولية تجاه من تعنيهم هذه القرارات.

لكن هذا الوضع الأعوج لا يمكن أن يكون من دون عواقب. لا شك أن نتائجه كثيرة وكارثية على البلاد، حاضرا ومستقبلا. أبرز هذه النتائج موجودة وتتجسد في أن المجتمع أصبح فريسة للإشاعات، ناهيك عن غياب الثقة وفقدان الإيمان بالبلد ومَن يحكمونه، وتراجع الشعور بالانتماء إليه. أمام هذه الصورة المحزنة، حتى لو اختار أصحاب «حملة التطهير» مصارحة الجزائريين بأسبابها الحقيقة، فلا أحد سيصدقهم. ذلك أن الأذى وقع وانتهى، والثقة بين الطرفين انعدمت، بل انقرضت.

السيناريو الأسوأ، ومع مستوى العبث الذي بلغته البلاد لا يمكن استبعاده، هو أن تكون كل هذه الرؤوس ضُربت لمجرد إرضاء غرور رجل أو مجموعة وإرسال رسالة للمشككين مضمونها أن ما زلنا هنا، نُحيي ونُميت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى