الروائي والناقد محمد أمنصور يبدع كوجيتو جديد! “أنا فايسبوكي إذن أنا موجود

[author title=”زايد الرفاعي” image=”https://scontent-mrs1-1.xx.fbcdn.net/v/t1.15752-9/42816374_2182466125375715_2027067775930859520_n.jpg?_nc_cat=100&oh=fdae3e24c81a198604995b1d6095cb9d&oe=5C1589B3″]مكناس[/author]

 

محمد أمنصور يقصف سكان القارة الزرقاء.. ويصفهم ب (المسحورين)

يبعث محمد أمنصور الأستاذ الجامعي بكلية الأداب -مكناس- والروائي والناقد المغربي، برسالة مفخخة دلاليا إلى سكان القارة الزرقاء، رسالة تجمع بين قوة المعنى وسخرية اللفظ، بين غزارة الدلالة وجزالة الرمز.
جاء في بداية الرسالة دعوة من سماهم بالإسكيميين والإسكيميات بعدم الإستغراب من الرسالة التي كتبها إنسان لا يعلمون عنه شيئا، يقيم في بلد لم يسمعوا عنه قبل ذلك، لكنه يعلم أنهم يقيمون في الطرف الآخر الأقصى من الكرة الأرضية، كما يعلم أن حكومته لم يسبق لها زيارة بلدهم.

 

رسالة محمد أمنصور مفادها أن يخبر شعب الإيسكيمو ويخبر الجميع على أنه موجود وأن لديه دليل على ذلك، دليله هو الفيسبوك، لكن في الأن نفسه يصف الذين إخترعوا هذا الأخير بالسحرة وأن مارك كبيرهم الذي علمهم السحر، كما يعتبر عصر الفيسبوك عصر نهاية العظماء مقابل الحقيرين.

 

يخبر جيل القارة الزرقاء أنه عاش فترة ماقبل الفيسبوك في هاته الرقعة التي لا يعلمون عنها شيئا، في جو فيه تلفزة واحدة بالأسود والأبيض تشرع في العمل بعد السادسة مساء، يقيم فيها عامل صاحب الجلالة وتأتمر بأوامر الداخلية، بتهكم يستطرد، بعد الفيسبوك صار لكل واحد منا تلفزته هو الناهي فيها والآمر يكون وحده فيها الملك.

 

يحكي محمد أمنصور في رسالته بأسلوب أحلى الشعر أكذبه!! أنه بعد الفيسبوك صار مولعا به، يلتقط له الصور صباحا ومساء، في كل الأوضاع والحالات بل يحرص أن يعلنها على الملأ، فقط ليقول للجميع انظروا كم أنا جميل عند الإستيقاظ وقبل النوم وبعد المكياج.

 

قبل الفيسبوك يقر محمد أمنصور أنه كان يحسد ألان دولان ومايكل جاكسون وماضونا. أما بعده يقول: تحررت من عقدي، لا أنتظر الموهبة أو الجدارة أو الصحافة حتى تسألني أو تلتقط لي صورا، صار بإمكاني بدون وسامة ألان ولا بياض مايكل ولا جسد ماضونا أن أملأ الدنيا ضجيجا، وأفصح عن أرائي وتصريحاتي متى شئت وأينما وجدت وأن ” أتقلق على الأمة ” كما أشاء.

 

بلغة فيها ما فيها من عبثية لا تخلو من سخرية يود “أمنصور” أن يخبر الجميع بما في ذلك شعب الإسكيمو ( الفايسبوكيون )، أنه متى دخل أو خرج من الحمام، متى أكل الزعلوك ومشتقاته سيرفق أكله بصور إثباتية، أيضا يعد الجميع إن تفوق إبنه على إبن الجيران “فسيفقصه” عن طريق تلفزته كما عبر عن ذلك بالنقطة والفاصلة حتى (يطرطق) له القلب.

 

جاء في رسالة محمد أمنصور أيضا، أنه قبل الفيسبوك كان مصاب بداء السطريس (التعب)، اليوم شفي تماما لأنه بمجرد إحساسه بالسطريس يصبه في تلفزيونه الخاص، (ليفقص) أمة محمد بنرجيسيته وعدوانيته، ليس أمة محمد وحدها بل أمة الإسكيمو كذلك، محيلا على أن وجودنا المستمر، وعرضنا اليومي تقريبا لأفراحنا وأحزاننا، وأفكارنا وإبداعاتنا، وتفاهاتنا لم يعد ممكنا أن لا تعنيهم، فقد انتهت خرافة الجغرافيا.
أيضا يصرح في رسالته بلغته الشعبوية المعهودة، ( بلهلا يكزيه ليهوم ) هم مجبرون على متابعة أخبارنا، ثم بلهجة واثقة متعالية يقول: ومتابعة أخباري أنا بالذات.

 

ليس هذا كل ما في الأمر، بل أن الأستاذ الذي يعلم طلبته الحكمة واستخدام العقل، ويلقنهم مشارب الثقافة وينابيع الفكر، هاهو ذا سهوا كان أم عمدا يخبرهم ثم عبرهم يخبر الجميع، بضرورة أن يعلموا أن كوجيطو المرحوم ديكارت قد انتهت صلاحيته، وأننا هنا ( يقصد أمام تلفزتنا الصغيرة المتنقلة ) إخترعنا كوجيتو جديد. هو: “أنا فايسبوكي إذن أنا موجود!”

 

ليس موجود فقط كمتفرج على سعيد مسكر ومشتقاته من الويسكيات الغنائية التي لا ذوق لها، وليس كمتتبع لدنيا باطما بل لأني أنا وهي (فيفتي فيفتي)، على حد تعبيره حتى دون حنجرة أو قدم ميسي، الغريب أنه يضيف إليهما (سبينوزا) بأسلوب وإستفهام بعيد كل البعد عن المنطق، ذلك حين يتساءل، من يكون سبينوزا ؟ يجيب كعادته بلغة ساخرة، هل كان له في حياته عدد “لي فان” الذين ( كايكليكيوا ويجمجموا ليا و يبارطاجيواو معايا؟ )، بنوع من الغطرسة والنرجيسية يضيف أنا أحسن من سبينوزا !!

 

يختم محمد أمنصور رسالته إلى سكان القارة الزرقاء بقوله: ها أنتم ترون أني بفضل تلفزتي الخاصة لا أحتاج إلى موهبة أو سيرة علمية أو فنية، حتى أنتقم من كل الذين احتكروا النجومية عبر التاريخ بدعوى ” شي لعبة ” عندهوم وحدهم، فأمنصور منذ أن اكتشف وجهه بالسيلفي يجزم أن لن يترك ( كمارة أخرى) تمر إلا على جتثه، فوحده سيصنع الخبر وحده سيصنع الحدث، أو بعبارته التي استعملها بوضوح ( وحدي نضوي البلاد ومن لم أعجبه (يطرطق) فأنا موجود، وحق الله إلى موجوووود ).

 

إن هذه الرسالة التي تبدو بسيطة في ظاهرها، تحمل بين جوهرها معاني ناسفة لسكان القارة الزرقاء، وإلى كل مستعملي الفيسبوك الذين يوظفونه في تفاهات وحماقات وعقد نفسية لا حصر لها على حد تعبيره.
من يعرف محمد أمنصور عن قرب، أو احتك به يوما، سيعلم جيدا قوة هذه الرسالة بالرغم مما فيها من مبالغة وسخرية، ذلك أن أمنصور من القلة القليلة التي تعتزل التكنولوجيا ومواقع التواصل الإجتماعي جوهرا ومبدأ، الشيئ الذي رفضه بعض القراء بإعتبار كيف لشخص خارج العالم الأزرق، يرفض الإنخراط والتفاعل في دواليبه أن يدلي بدلوه بأسلوب متغطرس تغلب عليه لغة السخرية أكثر من اللغة النقدية.
لذلك رسالته هاته قد إنقسم قارؤوها مابين مؤيدين لمضامينها، وبين معارضين لها، لما فيها من مبالغة وقسوة مضمرة على مستعملي الفيسبوك.

 

ويبقى محتوى الرسالة ومقصديتها لغاية في نفس محمد أمنصور وحده دون غيره.

في الختام سواء اتفقنا أو اختلفنا مع محمد أمنصور، فإننا نرفع له القبعة، لأنه رغم القسوة المتوارية خلف أسطر الرسالة إلى أنها تعكس واقع كئيب لقارة بئيسة، وقالت ما ينبغي قوله سرا وعلانية بعدما أسقطت ما استطاعت إليه من الأقنعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى