تقرير

التعليم بالتعاقد.. يبخر الأحلام ويجمد الواقع!

زايد الرفاعي

روبورطاج – الجريدة

 

“حينما يتحول الأستاذ إلى مريض نفسي” 

ظل قطاع التعليم بالمغرب لعقود يشهد استقرارا هرميا على مستوى جميع أدبيات منظومة التعليم انطلاقا من التزامات الوزارة المعنية وانتهاء بوضعية الأستاذ النفسية والقانونية، حينها كان الترسيم لا يحتاج سوى اجتياز المراحل المنصوص عليها بنجاج وتفوق، التي كانت مختزلة في خوض امتحان كتابي ثم شفوي، لينتقل مباشرة الناجح فيهما، من مترشح في قطاع التعليم إلى موظف عمومي (مرسم) له ما له من حقوق قانونية وعليه ما عليه من واجبات تربوية وتعليمية، لكن مع رئيس الحكومة السابق بن كيران، تم الإنزياح عن هذه الأدبيات ومعها زحزحة نفسية وتطلعات أبناء الشعب الذين كانوا يرون في التعليم طوق النجاة من براثن الفقر ومن هواجس العطالة، بعد أن ذاقوا الويل والمر للحصول على شهادة تخول لهم اجتياز مباريات الوظيفة العمومية على رأسها مباراة التعليم.

الصدمة!

كانت (الصدمة قوية) مع ولاية بن كيران في صفوف مترشحين ومثقفين… إضافة إلى الإعلام الذي اتخذ من الحدث مادة وموضوعا للقراءة والتحليل، ولا يزال كذلك لأن مفعول الصدمة ما يزال ساريا.

بدأت إرهاصات هذا المشروع (التعليم بالتعاقد) الذي تم وصفه بتسميات من قبيل: (الصدمة، المهزلة، العقدة، الأزمة…) يوم 7 أكتوبر 2016 عندما تم  تطبيق المقرر المشترك رقم 7259 بين وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني ووزارة الإقتصاد والمالية، الذي من خلاله قامت الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين بتوظيف أول فوج بموجب عقود، هذا الأخير من سماته البارزة التوفر على النقطة التي حددتها الأكاديمية الجهوية أو التوفر على شهادة الإجازة المهنية، ثم اجتياز مبارتي الكتابي والشفوي، الجديد أيضا في هذا النظام الغير واضح الملامح كما يتم وصفه بالإجماع، الخضوع إلى دورة تدريبية في إحدى مراكز التكوين الجهوية متبوعة بإختبار، الأمر لم ينته هنا بل أن الأستاذ المتعاقد بعد ولوجه سلك التعليم وشروعه في تأدية رسالته المنوطة به يظل مطالبا بإجتياز مباراة الكفاءة المهنية بعد كل سنتين.

أساتذة تحت التهديد

يبقى الأستاذ المتعاقد في نظر نفسه قبل غيره أستاذا تحت التهديد، في ظل غياب ضمانات قانونية تحميه كما تحمي الأساتذة المرسمين، لذلك نجد هاته الفئة قد استقبلت المشروع منذ الوهلة الأولى بالإمتعاظ والرفض، طبعا الرفض هنا رفض نفسي ومعنوي لأن الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب المغلوب على أمره دفع وما يزال يدفع ملفاته لإجتياز المباريات المعلن عنها تحت ذريعة (وصلاتنا العظم وماكاينش البديل).

إنسان بلا حقوق

سعيا في توضيح ملامح قرار ظاهرة التعاقد، وبهدف الكشف عن معالمه التي تتسم بالغموض، إستقصينا آراء من بعض الأساتذة المتعاقدين التى تجيب عن أسئلة من قبيل؛ كيف يقيمون النظام التعليمي الجديد الذي جاءت به حكومة البيجيدي؟ وماهي ارتساماتم عنه، وإلى أي حد يمكن نجاح مثل هاته المبادرات في المغرب؟ كيف يرون سياسة حكومة بن كيران ثم بعده حكومة سعد الدين العثماني فيما يخص تدبير منظومة التعليم وخاصة ملف الأساتذة بموجب العقدة؟ ومن المتضرر من هذه المبادرة ومن المستفيد منها؟

مبدئيا يمكن القول أن جميع المتعاقدين عبروا عن إمتعاضهم واستيائهم من هذا النظام التعليمي الذي نعتوه بالتخريبي كما أجمعوا على وصفه بالمهزلة والعقدة والمبادرة الفاشلة.

يقول رشيد أحد الأساتذة المتعاقدين، في العقد الثالث من عمره، لموقع الجريدة ملحا على عدم ذكر اسمه بالكامل أو حتى الجهة التي تم تعينه فيها، هذه الحالة ستتكرر مع معظهم ناهيك عن من رفض إبداء رأيه في الموضوع بحجة عدم وجود إطار قانوني يحميهم، يصرح قائلا  وعلامات القلق والتوتر بادية على محياه يفصح تارة عما في قريحته ويتردد في كثير من الأحيان، في لحظة سادها الصمت وكأن العبارات تاهت منه، ينظر إلينا مليا، يخلع نظارته الطبية ليكشف عن عينيه الجافتين كجفاف لسانه الذي يقول: (إن مدى نجاح مشروع التعاقد في نظام التعليم لا يمكن الحكم عليه بشكل حتمي إلا بعد سنوات من العمل لأن ذلك متعلق أساسا بالمتعلم، لكن يمكن القول إن التعاقد ذو وجهين وجه إيجابي يتجلى في الحرص على جعل الاستاذ دائم التعلق بالبحث وتطوير كفاياته المهنية، ووجه سلبي يتجلى في جعل الأستاذ دائما تحت وطأة الخوف النفسي، فهو لا يعرف متى يتوقف عن العمل كما يعيش الذل والعبودية في علاقته بالمدير والمفتش، إن الأستاذ المتعاقد إنسان بلا حقوق إنه عبد لاغير).

يضيف أستاذ آخر (ت.ي) الذي كان في منتصف العشرنيات، تردد هو الآخر في الإفصاح عن ما في قريحته إلى حين اطمأن على عدم ذكر هويته، كانت لغته في البداية لا تخلو من تلعثم وتوتر، بعد مرور القليل من الوقت، احمر وجهه رافعا إحدى حاجبيه ليكشف عن نفسيته الغاضبة، وبالرغم من أن الجو كان باردا تتخلله بعض التساقطات، فقد أبى إلا أن يوصل لنا من خلال حرارة انفعالاته وإيماءاته ما يتجرعه وزملاءه من معاناة، من خلال قوله: (إن الحقيقة المرة التي نعيشها في ظل هذا المشروع المشؤوم الذي بخر أحلامنا، أننا عوض أن نؤدي وظيفتنا ورسالتنا في استقرار نفسي تام، نواجه مشاكل ومخاوف عدة بشكل يومي تقريبا، الأستاذ المتعاقد بشكل عام متأزم نفسيا ويعيش بدون كرامة لأنه لا يتوفر على مرسوم يضمن حقوقه، إنه إن شئت قلت يعمل خارج القانون لا يوجد إطار قانوني يضمن له حقوقه خاصة إذا دخل في صراعات مع الادارة، فكيف تطلب إذن تطلب من أستاذ مريض نفسيا أن يدرس بجد ويربي التلاميذ)، إنها أزمة التعليم حيث يبدو التعاقد في ظاهره إصلاحا لكفايات الأستاذ لكن في جوهره يجعله كائنا ذليلا ومريضا.

هل ستمر العقدة بردا وسلاما؟

من المفروض أن يتوفر الأستاذ على ظروف ملائمة تسمح له بمزاولة عمله في معزل عن أي إكراهات، غير أن تصريحاتهم كشفت الهشاشة النفسية المليئة بالتوجس والخوف، ظروف تجعلهم يواجهون مشاكل عديدة، يعانون في صمت، لا يستطعون إبداء أرائهم ورفع شكواهم بشكل مباشر توجسا وخوفا من أي طرد أو تسريح محتمل.

بعد افصاح عدد من الأساتذة الذين كانت ردودهم متشابهة تسير في سياق واحد هو الرفض التام لنظام التعليم بالتعاقد والاستياء من آثاره ونتائجه السلبية، صرحت نسرين وهي متعاقدة في العشرينيات من عمرها، كانت أكثر جرأة وشجاعة، نسرين تنحدر من مدينة مكناس، عينت في نفس الجهة، أفصحت بروح تملأها عفوية لا تخلو من سخرية، بابتسامة استهزائية لم تستطع اخفاءها تعلن رفضها لسياسة حكومة البيجيدي واصفة إياها بالفاشلة، وأن السياسة التي نهجها بن كيران ليست سوى قتل للتعليم وقتل للضمائر الحية وعرقلة طموحات حاملي الشهادات العليا، والأساس جعل الأستاذ تحت الخوف الدائم بحيث مجرد ما يريد أن يقول ها أنا تقول له المديرية إنك معفي ولا تعويض لك، وهذا قد ينعكس سلبا على على المردودية، تضيف قائلة: (نحن لسنا أساتذة بعد مالم يكن لنا إطار قانوني يحمينا من العبودية، صحيح أننا سنقوم بواجبنا على أكمل وجه لكن هذا لايمنع وجود نتائج وآثار سلبية تتحمل مسؤوليتها حكومة المشروع الفاشل).

كذلك رشيد من سيدي إيفني، عضو في ( التنسيقية الجهوية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد )، يبدي برأيه بطلاقة وحماس دونما ريب أو تردد، لإعتباره أن قضيتهم هي قضية رأي عام، فيقول: ” ما دامت الحكومة تنهج سياسة الأذان الصماء زهاء مطلبنا، فإن التنسيقية سطرت برنامج نضالي يراعي التدرج في الخطوات النضالية، فبعد المبيت الليلي الذي قمنا به في الرباط يومي 29 و 30 شتنبر، نزعم بتصعيد نضالنا السلمي المشروع، سيأتي ما هو أكثر من الإعتصمات في حالة استمرار الوزارة لتجاهل ملفنا العادل، فنحن الآن وصلنا مرحلة لا يمكن أن نتراجع فيها إلا ببلوغ المراد، ومرادنا رفض التعاقد ورفض بشكل عام كل ما من شأنه الإجهاز على المدرسة العمومية.

بالمقابل سألنا أستاذ جامعي بإعتباره عضو في حزب البيجيدي عن رأيه في الموضوع، لمح لعدم النظر إلى الجزء الفارغ من الكأس، لأن نظام التعليم بموجب العقدة له إيجابيات مستقبلية لإصلاح التعليم والرفع من مردودية المنظومة التربوية، ومادامت الحكومة التزمت بضمان حقوق هؤلاء الأستاذة فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ماداموا يعملون بحس المسؤولية ويؤدون واجبهم بإخلاص.

كل ما يمكن استنتاجه من خلال استجواب هذه العينة أن المشروع الجديد الذي يقضي التوظيف بالعقدة قد أعاد النظام التعليمي خطوات إلى الوراء ليس فقط لأنه زعزع نفسية الأستاذ وأدخله في دوامة من التوجس والخوف، وإنما لإتسامه بالغموض وعدم التوفر على برنامج إصلاحي واضح، وسواء إتفقنا أو إختلفنا مع المشروع فتطبيقه رهين بتطبيق دستور 2011 بكل حيثياته، خاصة ما ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، عسى أن يمر المشروع بردا وسلاما على جميع أطراف المنظومة التعليمية.

إلى حين ظهور من يشفي الغليل ويرفع اللبس عن هذا المولود الذي ولد بعاهة عمى الألوان، أخشى ما أخشاه مما قاله عبد الله العروي منذ عقدين، حين قال: أن التعليم في المغرب عاد عشرين عاما إلى الوراء، إن كان هذا قيل من عقدين فما موقع تعليمنا اليوم وأي نفق يسير فيه في ظل تجارب ومشاريع مرتبكة البرامج؟

في الختام أرفع لكم صوت هؤلاء الأساتذة الذين يقول حال لسانهم؛ إنا للتعليم وإنا عليه لغاضبون.

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق