منبر القراءالرأيمكناس

حركة “قادمون وقادرون”، من هي وماذا تريد؟

زايد الرفاعي

متابعة

 

شهد المغرب في السنوات الأخيرة تصدعا بنيويا على صعيد العديد من المستويات؛ على قائمتها: السياسية، الاجتماعية، والتربوية، هذا الخلل البنيوي من مخلفات سياسات الأيادي المرتعشة التي تنهجها مجموعة من المؤسسات، دون استثناء الدور السلبي للأحزاب السياسية في ذلك، مما جعل المواطن المغربي؛ خاصة فئة الشباب، يعلن من خلال سلوكات علنية وأخرى ضمنية “أزمة الثقة” بينه وبين هذه المؤسسات.

القضية ستصبح ضمن أولويات ملفات الدولة بعد إفصاح جلالة الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، إستياءه من ممارسات وسياسات بعض الهيئات، التي أثرت سلبا على البنية السياسية والاجتماعية والتربوية ككل، وتطبيقا لنص ربط المسؤولية بالمحاسبة، قام جلالته بتفعيل إجراءات دستورية في حق ثلة من المسؤولين عن جزء من هذا التصدع البنيوي، لعل أهمها: عزل بعضهم في ما سمي إعلاميا “بـالزلزال السياسي“.

خصوصا أن الشارع المغربي في السنوات الأخيرة، إبان حكومات البرامج الهزيلة، أضحى بمؤسساته وفاعليه يعيش تفسخا في الأيديولوجيات، وتمزقا في المبادئ، هاتين الأخيرتين ستنعكسان سلبا على المواطنين -الشباب منهم خاصة- لتزج بهم إلى “فوبيا الثقة” ومستنقع الحيرة المدقعة، التي ترجمت إلى أحداث ملغومة ما بين شوارع ومؤسسات، أبانت في جوهرها على الهشاشة النفسية والتربوية لشريحة مهمة لشباب أصبح مكرها لقمة صائغة في أيادي أجندات أعداء السير التنموي للبلاد.

من بين هاته الأحداث التي ظهرت على حين غرة، نذكر على سبيل المثال:
– تردي أوضاع المنظومة التربوية من الهرم إلى القاعدة، الأمر الذي نتجت عنه تهديدات واعتداءات في صفوف الأطر التعليمية.
– تفشي ظاهرة التحرش والإغتصاب، منها ما تم توثيقها صوتا وصورة، كحالة (الحافلة)، والحالة التي عرفت ب “واش ما عندكش ختك”، وآخرها “خديجة” التي تم اختطافها من طرف عصابة اغتصبتها تاركة أوشام في جسدها.
– كذلك انتشار ظاهرة السرقات، أو ما يسمى ب ” الكريساج والتشرميل” في العديد من المدن قبل أن يتم استئصاله نسبيا بمجهودات قوات الأمن.
– أيضا انتشار ظاهرة شغب الملاعب، والقيام بتخريب الملك العام من لدن مشجعي بعض الفرق.
– خروج الشباب بعد التغرير بهم في مظاهرات واحتجاجات غير واضحة الملامح كما حدث في جرادة والحسيمة.
– أيضا استياء قسم من الشباب من مقترح التجنيد الإجباري بعد تسميمهم عبر مواقع التواصل ضد التجنيد العسكري والخدمة الوطنية.
– ثم لجوء الشباب المغربي إلى سواحل “قوارب الموت” رغبة في الهجرة ومغادرة الوطن.

بعد هذه الأحداث وغيرها، وفي خضم تقاعس المؤسسات المعنية والهيئات الفاعلة ودور المجتمع المدني التي فشلت في احتواء هؤلاء الشباب، بجعلهم ناشطين إيجابيين يشعرون بالمسؤولية وروح الانتماء لهذا الوطن، عوض إدخالهم في أزمة ثقة لا يحمد عقباها، كان لابد من عودة المثقف العضوي والوقوف على ثنائية السببية والنتيجة، وصياغة دراسة عميقة ورؤى سديدة، من خلال تحليل تلك الظواهر والأحداث، وهدم ذلك التفسخ والتمزق البنيوي لإعادة بنائه بلبنات سيميائية وسوسيولوجية متينة، لصالح وطن تنموي يشعر فيه الجميع بالكرامة والأمن والأمان.

على أعقاب هذا التلاشي النسقي سياسيا واجتماعيا وتربويا، انبثق بصيص أمل، مع ظهور حركة اجتماعية ومدنية من تأسيس السوسيولوجي “مصطفى المريزق” معية أطر وكفاءات وطاقات، حيث أطلق على الحركة إسم -قادمون وقادرون- مشيرا أن هدف الحركة هو المساهمة في بناء مغرب المستقبل وإعادة الثقة للشباب، مع تفعيل برامج ثقافية واجتماعية بإشراك هاته الفئة الفعالة إلى جانب مغرب الهامش.
فلماذا حركة قادمون وقادرون، ومن هي؟
وماذا تريد؟

حركة قادمون هي حركة مدنية اجتماعية، تسعى للتفاعل إيجابيا مع المفهوم الترابي الجديد المتعلق بالجماعات الترابية للملكة، من خلال التعاون والتضامن ومشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المستدامة، كما تطمح جاهدة كحركة اجتماعية مواطنة، إلى المساهمة جانب الجهات والجماعات الترابية في تفعيل السياسة العامة للدولة، واقتراح المشاريع والحلول والبدائل في كل مخططات إعداد السياسات الترابية من خلال المنتدبين والديناميات والهيئات التي تشارك في الحركة.

ولعل أهم ما يميز الحركة منذ انطلاقتها الوطنية في دجنبر 2017 وبعد حصولها على شرعيتها القانونية في غشت 2018، هو إقرارها أنها حركة عابرة للأحزاب السياسية والنقابات، وعابرة للأيديولوجيات، مع تأكيدها على نهج مضامين الدستور، بل العمل على تنزيله إلى أدراج المؤسسات الدستورية، في ذات السياق تزعم أيضا على تعزيز صفوف الآليات التشاركية للحوار والتشاور، للمساهمة من موقعها في تيسير مساهمة المواطنين في إعداد البرامج ورصدها.

وبما أنها حركة مستقلة عن كل الهيئات والمنظمات، فإنها تنحاز في أهدافها وتطلعاتها للعمل في مناطق مغرب الهامش، وإعادة الثقة لهاته الثخوم، ورفع الحيف والتهميش والإسبعاد الاجتماعي عن ضحايا الحكامة الجيدة، في مقدمتهم الشباب – شباب العالم القروي خاصة- الذين تضاعفت معاناتهم في السنين الأخيرة نظرا للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أضحى يعرفها المغرب وبلدان أخرى، إيمانا بمبادئ الحركة التي تأسست على أرضية ثالوث: الحق في الثروة الوطنية، والعدالة المجالية، والبنيات الأساسية (التعليم، الصحة، السكن، والشغل).

ذلك أن جوهر الأهداف التي تحلم الحركة بتحقيقها، ما جاء على لسان مؤسسها “مصطفى المريزق”، التي مفادها: “المساهمة في التقليل من التفاوتات بين كل الجماعات الترابية للمملكة على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني على مستوى خدمات المرافق العمومية، والحرص على حسن تدبيرها بكل شفافية وجودة ونزاهة، انطلاقا من ربط المسؤولية بالمحاسبة، ونشر قيم ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.

إن تجربة قادمون كما تشهد على ذلك أدبياتها هي تجربة حديثة، غير أنها ليست وليدة صدفة، أو حركة من أجل الحراك فحسب، وإنما نتيجة حتمية لما يشهده المغرب وبعض البلدان العربية من تحولات بنيوية، ومن بلورة أوضاع وأحداث مأدلجة ومدججة بأجندات سامة، وعليه فالحركة تجربة تعمل من خلال مكوناتها من منطلق الدفاع عن الوطن واستقراره وأمنه، بأجرأة مبادئ العدل والإنصاف كما أقرها الدستور، عن طريق المطالبة بنهج التخليق والشفافية في تدبير الإرادات والمؤسسات العمومية والجماعات والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية، والدعوة إلى استنفار كل الإمكانيات من أجل رفع راية العالم القروي والشباب، وتحيين أواصر المصالحة الاجتماعية معهم.

حركة قادمون وقادرون جوهر ما تريده هو إعادة بناء الثقة المهزوزة بين الشباب والمؤسسات، ورفع العزلة عن مغرب الهامش، مع ترميم ما يمكن ترميمه لأنساق جميع شرائح المجتمع، هذه الحركة بالذات تسعى إلى احتضان جميع الأطياف، لذلك يرفع أعضاؤها شعار “قادمون حركة جميع المغاربة”، وبفاعليها والمتطوعين الإيجابيين تعمد التجربة إلى بناء مغرب المستقبل.

 

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق