صحة

الحاجة خديحة.. مغربية جعلت من بيتها حضناً دافئاً لنساء مريضات بالسرطان

إسماعيل التزارني

الرباط

 

في بيت الحاجة خديجة نساء مريضات بالسرطان تمدَّدن على أَسرَّة متقابلات، فاطمة شرعت في قراءة القرآن همساً من مصحف بين كفيها، وفي حين تتفقد نادية كيس أدوية بجانبها، اشرأبّت أعناق أخريات إلى تلفاز مثبَّت على الحائط.

المرأة السبعينية خديجة -أو “الحاجة” كما تدعوها النساء هنا- تتجول بينهن بخطوات متمهلة، مقبِلة عليهن بوجه مشرق متهلل وكلام لين ولسان يلهج بالدعاء ويد تربت بحنان، وفي عينيها نظرة كلها وُد وأمل.

بيت الحاجة خديجة ، أو “جمعية جنات لإيواء مرضى السرطان بالمجان” كما كُتب على يافطة في واجهته، عبارة عن منزل من 3 طوابق يوجد بحي شعبي وسط العاصمة الرباط، الطابق السفلي منه مكتب استقبال وقاعة للأكل ومطبخ، في حين أن الطابق الثاني عبارة عن قاعة مجهزة بأَسرَّة، وبجانبها فضاء يضم حمامين ومراحيض، والطابق الثالث يضم قاعة للاجتماعات ومكتبين صغيرين، بالإضافة إلى مخزن للمؤونة، ثم غرفة الحاجة حيث تنام وتجمع أغراضها.

مات زوجها فأحسَّت بمعاناة الآخرين

قبل أعوام، أصيب زوج الحاجة خديجة بالمرض الخبيث على مستوى البروستاتا، ليرحل عن الدنيا عام 2009، تحكي المرأة السبيعينة، بلغة ما زال يعتريها التأثر رغم مرور السنين، “عانيت مع زوجي وتعذبت كثيراً، وتعرفت على مرض السرطان عن قرب، وعرفت معاناة المرضى به مع العلاج”.

وتضيف “الحاجة”، وحبات السبحة تنساب بين أناملها، أنها كانت كلما زارت زوجها بمستشفى مولاي عبد الله بالرباط تلتقي الكثير من المريضات بالسرطان القادمات إلى الرباط من أجل العلاج، يبحثن عن مكان يؤويهن.

بعد وفاة زوجها، اتخذت قراراً بإيواء النساء المريضات بالسرطان ، القادمات من مدن بعيدة قصد العلاج.

تحكي الحاجة أنه بعد تشييع جنازة زوجها، سمعتْ شخصاً يقول واعظاً المعزّين، إنه بعد وفاة المرء لا يبقى لا جاه ولا مال؛ إذ لا ينفعه غير العمل الصالح، وهي الكلمة التي رسخت في ذهنها وحفّزتها على فتح باب المنزل الذي تركه زوجها، في وجه المصابات بهذا المرض.

بعد أشهر فقط من وفاة زوجها، قصدتْ مستشفى مولاي عبد الله حيث كان يتابع العلاج، وتجولت بين ردهات المستشفى، وهناك التقت 10 مريضات بالسرطان لا مأوى لهن في العاصمة، استقبلتهن كضيفات في بيتها تقوم على شؤونهن بنفسها ومن يومها ولد بيت الحاجة خديجة لنساء مريضات بالسرطان.

بيت الحاجة خديجة الذي تحوَّل إلى جميعة “جنات”

بعد أسابيع، أصبح بيت الحاجة خديجة  قِبلة للباحثات عن مأوى من المصابات بالسرطان. فالحركة التي دبَّت في البيت، بالإضافة إلى بابه الذي يشهد كل لحظة دخول النساء وخروجهن، أثارا حفيظة “المقدّم” (عون سلطة)، الذي استفسر خديجة القرطي عما يعتمل داخل بيتها، ولما أخبرته نبَّهها إلى أن ما تقوم به ممنوع، ودعاها إلى تأسيس جمعية والاشتغال في إطار القانون.

بعد تأسيس الجمعية، واصلت الحاجة عملها على المنوال نفسه، وفي ظل الازدياد المطرد بعدد النزيلات وضيق مساحة البيت، تقول الحاجة خديجة، وهي تضع راحة يمناها على صدرها وابتسامة تعلو محياها: “أفرح كثيراً باستقبال الضيوف، ولا أردُّ مَن طَرق باب بيتي”.

في السنوات الأولى لتأسيس جمعية “جنات”، اضطرت الحاجة، بفعل الاكتظاظ، إلى تسقيف سطح بيتها بالقصدير واتخاذه قاعة لإيواء النزيلات. وفي هذا السياق، يقول الكاتب العام للجمعية، عبد الله ساسيوي، إن وضعية بيت الحاجة خديجة لم تدم كثيراً، فبعد زيارة وفد من “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، اشترطوا على القائمين على الجمعية مجموعة من المعايير للاستمرار في العمل.

ويتابع ساسيوي: “ومن هذه المعايير؛ استقبال النزيلات في قاعة لائقة بدل سطح البيت، بالإضافة إلى التقيد بعدد محدود من النزيلات داخل القاعة تفادياً للاكتظاظ”، ويضيف أن بيت الحاجة عرف في السنوات الأخيرة أيضاً عدة إصلاحات حتى يصبح صالحاً لإيواء النزيلات.

كانت تزف العرائس فأصبحت تزف المتشافيات من المرض

دخلت الحاجة على النزيلات في قاعتهن كعادتها في هذا الوقت، داعيةً إياهن للنزول إلى الطابق السفلي، قائلة إن “الغذاء جاهز”. تحلَّقت النسوة حول مائدة مستطيلة، وما كادت العاملة في المطبخ تضع الطبق على المائدة حتى ترنّمت ألسنتهن بـ”الصلاة والسلام على رسول الله..”، وهي عبارة تغنيها النسوة في الأعراس والأفراح جماعة.

وفي المساء، جلسن على أَسرَّتهن في بيت الحاجة خديجة في حين شرعت إحداهن في ترديد أغنية نظمتها بنفسها، تستهلها بـ”مرضت بالكونسوير، وحسيت بالألم جيت، لجمعية جنات هنا لقيت الأمل..””، على حين تردد الأخريات لازمة ويصفقن. وأسفل أسرَّتهن وضعت الحاجة خديجة دفوفاً و”طعريجات”، تستعملنها كلما أردن الغناء جماعة من أجل رفع معنوياتهن.

جو الفرح هذا ليس غريباً على الحاجة، التي تحكي قائلة: “لقد كان عملي نكافة، وامتهنت هذه الحرفة 40 عاماً”، وتضيف مبتسمةً: “اليوم أحاول جاهدةً إدخال الفرحة على النزيلات، مستعملة ما أتقنه من مهارات”.

وتضيف وهي تنظر صوب النزيلات: “هن حبيباتي وهن عائلتي.. نأكل مجتمِعات، ويفضين إليَّ بهمومهن وأفرح لفرحن وأتألم لألمهن”، وتستطرد: “فرحتي الكبرى تكون يوم يصلني خبر شفاء إحداهن من المرض، فأنقش يديها ورجليها بالحنّاء، ونحتفل بها مجتمِعاتٍ كأنها عروس يوم زفافها”.

بيت الحاجة خديجة يموّله المحسنون، وللدولة نصيب

“عيادة”، من النساء المريضات بالسرطان على مستوى الثدي والقادمة من مدينة السمارة، قالت، إنها لم تكن تعرف الحاجة خديجة أو جمعية جنات، وتضيف بلهجة صحراوية: “قدِمت لمستشفى مولاي عبد الله قبل سنوات؛ من أجل العلاج، بعدما خرجت من المستشفى طلبت من سائق سيارة أن يقلّني إلى مكان أقيم به خلال فترة العلاج، فأوصلني إلى بيت الحاجة”.

يقول ساسيوي إن الحاجة بدأت مشروعها الخيري هذا بإمكانات محدودة جداً، ويضيف: “الجمعية، الحمد لله، حققت في السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً”، مشيراً إلى أن مداخيلها تعتمد بالأساس على تبرعات المحسنين، فضلاً عن تمويل بعض المؤسسات بعض تجهيزاتها.

وتابع ساسيوي أن بيت الحاجة خديجة يستقبل نحو 120 امرأة مريضات بالسرطان كل شهر، تقمن فترات مختلفة، قد تصل في بعض الأحيان إلى شهرين، في حين تقيم بالجمعية من 12 إلى 18 امرأة يومياً، موضحاً أن الجمعية افتتحت مقراً ملحقاً، يُستعمل في الإيواء كلما دعت الضرورة.

وأوضح ساسيوي الذي يعمل متطوعاً بالجمعية، أن الأخيرة توفر للمريضات الأكل والشرب والإقامة، بالإضافة إلى التنقل ما بين مقر الإيواء والمستشفى، باستعمال سيارة حصلت عليها من “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، كما توفر لنساء مريضات بالسرطان بعض الأدوية الضرورية، مشيراً إلى أن الجمعية تقدم أيضاً أنشطة موازية؛ الرحلات والحفلات وغيرها.

وبفضل تبرعات المحسنين، تمكنت “جنات” من توظيف 7 عمال قارين يقومون على شؤون النزيلات، بينهم السائق والطباخة ومساعداتها والمسؤولة عن النظافة، حسب ساسيوي.

ورغم أنه تجاوز الستين بسنوات، فإنه يتحرك بين فضاءات الجمعية بهمّة الشباب، يتفقد الصنابير والطلاء والمصابيح وكل شيء، ليصلح ما يمكن إصلاحه، هكذا هو حال شقيق الحاجة خديجة، صالح القرطي، المتقاعد، الذي قال، إن أخته استدعته قبل سنوات للإشراف على إصلاحات في بيتها، وأضاف ضاحكاً: “وجدت نفسي بعدها متطوعاً في الجمعية أساعد نساء مريضات بالسرطان”.

لا تتردد “عيادة” وباقي النزيلات بجلساتهن، بين الفينة والأخرى، في الدعاء للحاجة خديجة وشكرها وعناقها، لكن الحاجة تقاطعهن كلما أطالوا في الثناء عليها، قائلةً: “الله يتقبل من الجميع”، أو “أنا مجرد سبب”.

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق