منبر القراء

“محسن فكري”.. “طحن مو”، قراءة سميائية

زايد الرفاعي

ماستر في الصحافة

 

(إذا حدث وأبلغك أحدهم شيئا، فلا تقل: لقد فهمت، وقل قد فهمت -الآن وهنا- على الأقل، فقديما قيل: الغبي من يقول فهمت).

إن العلوم نوعان: علوم طبيعية وأخرى إنسانية، لكن قلة من تدري بوجود علم ثالث يدعى “السميائيات” وجد لتقريب المسافة بين العلمين السابقين؛ فما هي السميائيات وما هو موضوعها؟

بشكل مركز ومقتضب السميائيات أو السميولوجيا هي مقاربة ثلاثية الأبعاد تنظر للكون الذي نحيا فيه كشبكة من العلامات، فنحن علامات ونستعمل علامات وضحية للعلامات، وبالتالي فهي دراسة علمية تعنى بحياة العلامات داخل الحياة الإجتماعية بدء من الخطابات اليومية، ومرورا بالطقوس الإجتماعية، وإنتهاء بالأنساق الأيديولوجية الكبرى، لذلك نجد مؤسسها “شارل ساندس بورس” يقول: لم يكن بوسعي قراءة أو النظر لأي شيء في هذا العالم إلا من زاوية نظر سميائية، ذلك أن هذه الأخيرة لا تعير إهتماما للظاهر، بل هي آلية تسبر أغوار الخفي والمتواري خلف النصوص والخطابات والصور… بهدف كشف المستور، وتعرية الواقع، وإسقاط الأقنعة، ببساطة؛ السميائيات هي المرآة الخلفية التي نرى من خلاها ما لا يقال بشكل مباشر في هذا الكون.

من هذا المنطلق، موضوع المقالة هو “سميائيات الإحتجاج”، وتحديدا تحليل وتفكيك سلوك “طحن مو”، هذا الشعار الإحتجاجي الذي يحييه نشطاء عبر مواقع التواصل إحتفاء بمرور سنة على الذكرى السنوية الأليمة.

يقوم نشطاء وحقوقيون من خلال حملة فايسبوكية، بتعبئة الرأي العام المغربي، على تخليد الذكرى السنوية لشهيد مدينة الحسيمة عن طريق إعادة تداول صور “محسن فكري”، وتدوينات من قبيل (طحن مو) و (كلنا محسن فكري)، مطالبين بالقصاص من قتلة محسن، مع إعادة الإعتبار إلى أهله ورفع الحصار على منطقة الريف، كذلك تحقيق المطالب التي تمخضت عن حادثة الطحن المأساوية، هذه الأخيرة التي أدت إلى إحتجاجات تناسلت عنها أحداث تصدرت قائمة حراكات المغرب المعاصر، عرفت إعلاميا بحراك الريف.

تزامنا مع مقربة الذكرى السنوية، وتفاعلا مع حملة هؤلاء النشطاء والحقوقيين، نذكر بقصة حراك الريف التي بدأت في 28 أكتوبر 2017، بعد مصرع بائع السمع إبان محاولته لإسترجاع أسماكه التي صودرت منه بحجة عدم حصوله على ترخيص بالإصطياد، إذ لجأ إلى الإحتجاج عن طريق الإرتماء في خلفية الشاحنة التي رميت بها بضاعته؛ تحديدا في منطقة ضغط الأزبال، محاولا دفع السلطات الأمنية إلى التراجع عن قرارها، غير أن آلة الضغط جرى تشغيلها، فبلعت محسن إلى الداخل نافضا أنفاسه الأخيرة في أحشائها.

لقي إبن الريف مصرعه “طحنا” بعد أن سحقت عظامه في حاوية أزبال، ولهذا الفعل الدموي طاقة إنفعالية مشحونة بدلالات ستثير لاوعي المغاربة، وتربك أواصر الخيوط الرفيعة الرابطة بين السلطة والمواطن، لتكون ردة فعل الخطاب المضاد للشارع المغربي، ملء العالم الأزرق بصور الشاب المطحون تحت تأثير ثالوث الصدمة والغضب والتذمر، مع تداول الهاشتاغ #طحنمو، (إطحن أمه)، رفقة صورة يظهر فيها الراحل داخل الشاحنة وهو جثة هامدة، يضاف إلى هذا الهشتاغ، هشتاغ آخر هو #شهيد الحكرة، وكذلك، #كلنا محسن فكري، إلا أن #طحن مو، كان هو الأكثر تداولا وفق إحصائيات موقع (hashtagify.).

ولعل أبرز الدراسات السميائية التي عنيت بلغة الإحتجاج، ما أسهم به السميائي عبد الله بريمي، الذي إعتبر صرخة (طحن مو)، تكثيفا دلاليا لكل الممارسات الدالة على الحيف والظلم والكراهية، بمعنى آخر هذا السلوك لا يتسنى فهم معناه، إلا من خلال فهم سياقه وشروط تصريفه وطبيعة أبعاده اللغوية والرمزية.

لذلك فإن التفسيرات أو بشكل أعم التأويلات التي تعطى لهذا السلوك تفترض مركزا دلاليا ثابتا، يحيل على المعنى في أبعاده المباشرة، ضمانا لمشروعية التأويل -أي بإستحضار القاسم المشترك الذي تتقاطع فيه كل الدلالات، لأن الجدل القائم حول المعنى وحرية التأويل وطبيعة هذا الخطاب، يدفع إلى إنتاج الدلالة إستنادا إلى معطيات مباشرة، تشكل الوجود الأصلي للفعل في أبعاده المعجمية، وهي مرادفات: حطم، كسر، هرس، فتت، هشم، سحق…

فسلوك -الطحن هنا- علامة سميائية تتجاوز الإستعمال الحرفي، إلى عالم سميولوجي زاخر بالدلالات؛ وهذه الدلالات ليست معطاة بطريقة مباشرة من خلال الظاهر من العلامة، بل تشير إلى تجربة ضمنية، تحتوي حسب “رولان بارث” على أساطير موغلة بكثافة بين القدم والراهن.

ويشير عبد الله بريمي أن مفهوم الطحن هنا؛ ليس طحن القواميس والمعاجم ولا طحن اللغة، بل طحن رمزي وقيمي؛ إذ أن تأويل واقعة الطحن ستقودنا إلى عدة دلالات موازية، فقد تكون دلالات نفسية معبرة عن الحقد والجور والكراهية الدفينة في نفسية الطاحن بعلاقته بالمطحون، أو دلالات تاريخية تكشف فظاعة ما تعرض له المطحون من جرائم ضد الإنسانية، وإبادة عدوانية على يد المستعمر وهي جرائم لازالت آثارها موشومة في ذاكرته، أو دلالات اجتماعية تكشف عن واقع التهميش والظلم والإستبعاد المجالي، الذي يعبر عنه في صيغته المغربية ب “الحكرة”.

إن أبرز قاعدة سميائية، مفادها؛ لا وجود لخطاب بريء، وسلوك الطحن خطاب له معنى بل معان؛ هذا الأخير، موسوم بالميوعة والتغنج والحربائية، لإمساكه لامناص من مساءلة حركته في الكل؛ أي في علاقات إجتماعية وثقافية…
وإستنادا إلى قولة السميائي عبد السلام إسماعيلي علوي “إذا حدث وأبلغك أحدهم شيئا فلا تقل: فهمت، وقل لقد فهمت -الآن وهنا- على الأقل، فقديما قيل الغبي من يقول لقد فهمت”، أي؛ أن تجليات سلوك الطحن لا يمكن فهمها بشكل مطلق، حيث يمكن لتلك العلامة “القاسية” أن تعني شيئا مختلفا عن معناها المعتاد، لذلك السياق والتأويل مكونان أساسيان من مكونات الدلالة، إذ لا وجود لسميائيات قبل هذين البعدين أو خارج نطاقهما، ف “إطحن أمه” هي ملفوظ لساني ثانوي، قادر على برمجة سلوك ثقافي دال على الحقد والكراهية والغل؛ مثلا: إطحن أمه للتخلص من إحتجاجاته، وممانعته، ورفضه لواقع الحال، فيحيلنا أيضا الأستاذ بريمي على أن المسألة ستزداد تعقيدا إذا أضفنا لفعل “طحن” الوحدة المعجمية (“مو” بالعامية المغربية) أمه، هذا الإستعمال المجحف سيجعلنا نستشف أن المطحون حقيقة هو محسن فكري، لكن رمزا وهذا هو الأصل تكون أمه، فنصبح بلاغيا أمام تعبير ضد ما حدث على أرض الواقع، حيث أن “-الأم- وفي لاوعي اللغة هي المستهدفة، بما لها من دلالات رمزية غاية في التنوع، إنها هي الأخرى كون سميائي ثقافي متعدد: فالأم مدرسة، الأم أرض، اللغة أم، الوطن أم، الحضارة أم، فالأم أصل كل شيء”.
ومن حليب هذه الأم رضع هذا المطحون ثقافة الكرامة، والرفض لكل الممارسات النافية للقيم الإنسانية، ومنها رضع الإباء، ورفع العبودية، ومنها تعلم التعدد والإختلاف والتسامح.
فالأم لغة وتاريخ وهوية وحضارة وعيد…

وختاما أضم صوتي إلى صوت عبد الله بريمي وكل من يأبى الإحتقان والظلم و “حكرة” الطحالب من المسؤولين، لنقول بجميع لغات الأنساق الثقافية والرمزية؛ نخشى ما نخشاه أن يكون هذا الكون السميائي هو المقصود بالطحن.

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق