منبر القراء

المصريون من إعطاء تفويض إلى طلب تعويض

"يا سادة.. إن العسكر إن حكموا بلادا أفسدوها"

زايد الرفاعي

ماستر في الصحافة

 

منه العوض إليه العوض، هكذا أضحى يصرخ لسان الشارع المصري إثر تجرع خيبة أمل متوقعة بعد حصيلة خمس سنوات عجاف من حكم العسكر، خمس سنوات شهد خلالها المصريون أشد انواع المر والويل والحنظل، بعد أن تم تغييبهم سياسيا واستلابهم أيديولوجيا من طرف أذيال الدولة العميقة التي جاءت برجل من قلب ثكنة عسكرية، فجملت صورته بأبهى ” الميكابات “، مقدمة إياه كمهدي منتظر سيعيد لأم الدنيا أمجادها، وسيخلص مصر والدول المجاورة من براثن الإرهاب المزعوم، ولكي يبدو رئيسا ديموقراطيا ابتدأت المسرحية بطلب تفويض شعبي من أجل الشروع في مهمة ( البطل الفرعوني المغوار ) الذي سيحارب الشر وسيقضي على الإرهابيين، فجاء عبد الفتاح السيسي على ظهر دبابة ليعتلي سدة الحكم في مصر بعد الإنقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي، والقيام بمجزرة دموية في حق ثلة من المواطنين المعتصمين بميدان رابعة العدوية.

إن الديموقراطية في مصر بعد انقلاب 30 من يونيو مجرد مسرحية ووهم، مسرحية لم تصفق لها سوى إسرائيل وحلفائها، بعد مشهد سوريالي تم فيه الإعفاء عن الفاسدين والتطبيع مع المتآمرين، بالمقابل قمع المعارضين والتنكيل بالمتظاهرين واعتقال الذين بحقوقهم مطالبين، بل أن سياسة السيسي لم تكتف بالإجهاض على الثالوث المطلبي المقدس لثوار 25 يناير المتمثل في ( عيش، حرية، كرامة اجتماعية )، وإنما الإجهاض كذلك على أبسط أحلام شعب إصطدم بوعود كاذبة لرئيس بلحة يقسم بهتانا ويخلف وعوده افتراء، رئيس جعل حجم مصر في الحضيض، وبروطوكولاته الساخرة في المناسبات الرسمية والمحافل الدولية تشهد له بذلك.

الأمر يزيد بلة حينما انقلبت موازين المشهد المصري، فعوض ما أنسنا أن نسمع تحليلات الأوضاع السياسية من أفواه المثقفين والمفكرين والسياسيين، أصبحنا نتلقاها من كراكيز مدينة الإنتاج الإعلامي والممثلين المجندين!

فنلفي إعلاما مدججا بآلات تطبيل منظمة، تعزف أناء الليل والنهار تضليلا وتعتيما بكل الإقاعات والنوتات، غايتهم سحر واستغباء الشعب المصري إرضاء لكبيرهم الذي علمهم السحر، ثم تتداخل الدراما بالسياسة، ليستعمر برامج ( التوك شو ) ممثلون من درجة عساكر، مهمتهم تعتيم الأحداث وشيطنة المعارضين والضحك على الذقون في مشهد تراجيدي يندى له الجبين، لما لا وقد تمت عسكرة جميع القطاعات وإقبار المدنية التي طالما نادى بها الخصوم إبان فترة حكم الإخوان، وتغنى بها السيسي أكثر من مرة قبل تسلطه سدة الحكم.

لقد شاهدنا نجمة التقبيل والإغراء الأولى، إلهام شاهين، تخوض دون ادنى خجل غمار النقاش السياسي، لتكشف عن وقاحتها بمخاطبة الرئيس المنتخب (سوف أعلمك الإسلام يا مرسي) وكأنها خريجة الأزهر الشريف، وفي منبر آخر ظهرت راقصة خمسة مواه، فيفي عبدو، تطالب معارضي الإنقلاب والإخوان المسلمين بالإستحياء، واصفة السيسي بالذكر المرسل من السماء لإنقاذ مصر من الضياع والخراب!

صحيح صدق من قال: إن لم تستحيي فافعل ما شئت، أو كما يقول المصريون أنفسهم ( الذين استحيوا ماتوا )، كذلك الممثل الكاراكوز أحمد بدير لم يتأخر عن أداء مهمته الإستخباراتية، فظهر في أكثر من منبر إعلامي يستظهر ويجتر نفس الكلام الذي يحفظه عن ظهر قلب، حتى أصيب المشاهد بالثخمة البصرية من صورته، حيث كان يتقمص دور المحلل السياسي المحنك وما هو بذلك، فيدلي بأراء ساذجة أحينة كثيرة، و يهدد تارة ويشتم أخرى.

كذلك المصريون لا يخفى عليهم الدور الذي لعبته المخرجة إيناس الدغيدي عاشقة الأفلام الإباحية، والمخرج خالد يوسف مناصر الثقافة العلمانية في فبركة مظاهرات حتى تبدو مليونيات كما سموها، وأيضا ما قاما به من تلميع لحملة مرتزقة من الشباب أطلقوا عليها ( تمرد )، و هلم جر من المشاهد التي ساهمت في إسقاط صورة مصر وليس العكس.

إنه ليس بالغريب أن يتم إقحام الدراما لمآرب سياسية، وذلك لسببين: أولهما، أن معظم الفنانين على أتم استعداد إلى الكذب والنفاق ولعق الأحذية من أجل نيل رضى أدنى حارس موجود على باب القصر الجمهوري، وثانيا: لأن أجندات سياسة الدولة العميقة بمصر تعي جيدا أن المجتمع المصري مجتمع عاطفي بطبيعته، لذلك لا استغراب أن يسأل كبيرهم (السيسي) عن معنى وطن، ليجيب بأسلوب العاشق الوهان، وبلغة الرومانسي الذي يحن لحبيبته، ( يعني حضن ).
ثم تتوالى المهازل التي تسيئ إلى مكانة مصر، ليضطر مؤيدو السيسي قبل مناوئيه إلى التعبير عن ندمهم لما آلت إليه أحوال البلاد، مطالبين بتعويضهم على سنوات الضياع التي أكلت خير شبابها من جنود ومدننين، لتكون ردة الفعل خروج الرئيس بلحة بتصريح يعرض فيه نفسه للبيع، كدلالة رمزية على أن البلاد في حالة إفلاس وأن ثورة الجياع ستزداد جوعا خلال فترة ولايته.
ولعل هذه من بين الحقائق النادرة التي لمح لها السيسي، لأن مؤشر الإقتصاد عرف خلال فترة حكمه انخفاضا مهولا، كما انخفض معدل السياحة، وقيمة العملة المحلية، ومستوى الدخل، إضافة إلى تراجع مستوى التعليم، في حين الإرتفاع الوحيد عقب انقلابه هو ارتفاع الضغط والأسعار، وارتفاع ميزان المدفوعات وتضخم المديونية داخليا وخارجيا، وعجز الموازنة العامة للدولة، وارتفاع كذلك عدد السجون مقابل هدم المنازل والبنايات وإتلاف الأراضي الزراعية شمال محافظة سيناء، التي كان آخرها في التاسع من فبراير 2018 ضمن حملة عسكرية شرسة، تحت ذريعة محاربة مجموعة منتمية لتنظيم “الدولة الإسلامية” هناك.

هذه هي إنجازات عبد الفتاح السيسي التي وعد بها الشعب المصري عقب طلبه تفويض شعبي محاربة الشر!

وبدون أي مبالغة، بل ما نقول إلا حقيقة، والحقيقة هنا أبلغ من المجاز حين نشبه السيسي ب “بروكوست”، وبروكوست هذا، قاطع طريق يوناني كان يعذب ضحاياه بطريقة فريدة من نوعها، حيث كان له فراشان: فراش كبير وآخر صغير، فكان يطرح ضحاياه الطويلي القامة على الفراش الصغير، وقصيري القامة على الفراش الكبير، ثم يعمد إلى أرجل الطويلي القامة فيقطعها لأنها تتعدى الفراش الصغير، أما القصيري القامة فكان يجذب أرجلهم حتى يكونوا تماما على مقياس الفراش الكبير، -مع تجنب الإستعارة الجارحة- هذا هو حال مصر مع قائدها، الفتى المدلل للعسكر. إلا أنه لحسن الحظ أن لقصة بروكوست تتمة، فقاطع الطريق الذي يعذب ضحاياه لم ينجو من العقاب، فقد تسلط عليه بطل من الأبطال وأذاقه نفس العذاب الذي كان يذيقه لضحاياه.

فمتى يعي السيسي وحاشيته أنه ما هكذا تورد الإبل؟
لأن هدوء المصريين الأحرار شبيه بالهدوء الذي يسبق العاصفة، وإن استمر الوضع على ما هو عليه فإنهم سينتفضون ولو بعد حين، على الأقل انتفاضة المطالبة بتعويض عن التفويض.

وفي الختام نرفع إليكم صوت الشارع المصري، الذي يقول حال لسانه: ” إنا للتفويض وإنا عليه لنادمون “.

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق