ثقافة

قصة قصيرة.. إلى زهرة الأوركيد

زايد الرفاعي

ماستر في الصحافة

 

أجلس في مقهى “لاپيرلا” قرب جدار الزجاج، الذي يفصلني عن الشارع، أتأمل السماء التي كانت تمطر على وتيرة واحدة، أنتظر السمراء معشوقة الجماهير (القهوة السوداء).

يقاطعني النادل ببدلته الأنيقة وإبتسامته العريضة، وكأنه عراب يقدم لي عروسا بكرا عذراء، تذوب خجلا في ليلة دخلتها، من دون تفكير؛ أقول لها، قبلت إحتساءك حتى آخر رشفة بيننا مُرة كنت أو سكر زيادة.

أضع أوراقي جانبا، لأني للتو كنت أتمم روايتي التي عنوانها “و يزال البحث عنها مستمرا”، ثم ألتفت إلى هاتفي الذكي، كي أمارس عليه غبائي في تدوين منشورين أو أكثر…

لمجرد ما فتحت (الفيسبوك)، حتى شدني منشور أثار انتباهي أسلوبا وشكلا ومضمونا، قبل أن أعرف جنس صاحبه حتى، ذكرا هو أم أنثى.. مباشرة بعد انتهائي من قراءة المنشور، إلتفت إلى الإسم، فزاد انتباهي أكثر بعد اكتشافي لهوية صاحبة المنشور؛ كونها أنثى آية من الأناقة والبهاء، فراشة في مقتبل العمر، وكأنها زهرة أوركيد تفوح حروفا من ذهب…

قرأت المنشور مرة ثانية؛ لأنه كان من التدوينات التي نادرا ما أصادف مثيلها في العالم الأزرق، بعد أن أضحت الكتابة متاحة لكل من هب ودب.
فعلا كان منشورا عميقا، يحمل في طياته عنوان أنوثة مفعمة بالأمل، وعنفوان حزن دفين بذكريات الألم، وكلمات متمردة أكثر ما هي متجانسة، وحروف متحررة أكثر ما هي متناسقة… لم أدري حينها، كيف انتابني ذلك الشعور بالفضول لإكتشاف المزيد عن هاته الفتاة الإستثنائية الأوركيدية، التي أعجبت بها من أول منشور.. وكأنني متيم خانته الوعود العجاف، فأحب زنجية من أول نظرة.

رغم ذلك؛ حجزت تذكرة سفر إلى بحر صفحتها، وبدأت أتجول بين منشوراتها تارة، وأقف على جزيرة صورها تارة أخرى، إلى أن وقفت كثيرا عند إحدى صورها، فاستحضرت كل ما تعلمته من إستعارة ومجاز ونشاز… كي أنسج تشبيها يليق بقافية المقام.
فمزجت بكل ما أوتيت من بداعة الرسامين وبلاغة النحاتين بين لغة الموناليزا والساندريلا والشهرزاد.. فما أبت غطرستها إلا أن تثبت عروبتها الشامخة شموخا بين الأطلس والريف، مجسدة فتاة بدوية تعتي أناقة وفطرة وبساطة…

ربما كان بوسعي وصف كل شيء ماعدا عينيها، صدقا تلك العيون علمتني أن أسبح في أمواج لم أتخيل أني سأغرق يوما فيها طواعية، وسأصير ملحدا بمن سيمد يده لإنقاذي ولو مكرها، كانت عيونا أشد عمقا من يراع مشاعرها وحروف أناملها، فكيف لي ألا أنحث لها تمثالا في ساحة القلب؟

لعل زهرة الأوركيد تلك، كانت تكتب بدموعها ليلا كي تبدو مبتسمة بالنهار.

أرفع رأسي نحو الخارج، السماء لا تزالت تمطر على وتيرة واحدة، لا أدري ما هذا الشعور الغريب كتاباتها أيضا تمطر بردا وسلاما، تدفقت من مسامي وتسللت إلى ذاكرتي، فحفظت بعضها إن لم أقل كلها عن ظهر قلب.

مباشرة بعد السلام وتبادل التحية، يبدأ بيننا حوار تلو الحوار ثم نقاش فاختلاف مع سوء تفاهم ثم جدال فتفاهم، إلى أن تبادلنا الأفكار، تشاركنا بعضا من الطموحات والميولات، مزجنا حديثنا بين الجدية والهزل، تارة يتسم كلامنا بالنضج وتارة أخرى نصير على هامش الطفولة.

أرتاح في التواصل معها وأظنها كذاك.
مضت الأيام ولازالت تمضي بيننا.
وكل ما أفكر به بعد معرفتها.. (أقصد معرفتك)، هو أن أغير عنوان روايتي من “ولا يزال البحث عنها مستمرا” إلى “وجدتها”، فهل سيتغير العنوان ومعه فصول قصتي برمتها، أم سيبقى الحال كما هو عليه..؟

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق