السلطة الرابعة

صحافة أم تشهير.. مغاربة: لا تقتلوا أخلاقيات المهنة

يشهد المغرب جدلا واسعا هذه الأيام، خصوصا وسط الصحافيين، حول “الخرق” المتواتر لأخلاقيات مهنة الصحافة.

واستنكر إعلاميون ونشطاء حقوقيون مغاربة “التجاوزات” التي يشهدها الحقل الإعلامي، في ظل “الانفجار الرقمي” وسرعة تدفق المحتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع ما يرافق ذلك من “بحث عن الإثارة”.

قبل أيام نشرت قناة موقع إخباري على يوتيوب حوارا مع طفلة، قضت والدتها في جريمة قتل، وتم فصل رأسها عن جسدها، لتحكي عن معاينتها للجريمة “المروعة”، ما أثار انتقادات واسعة، ليخرج مدير الموقع نور الدين مفتاح، باعتذار نشره على صفحته على فيسبوك، مؤكدا أنه “لم يطلع على شريط الفيديو قبل نشره”.

وأضاف مفتاح، وهو الرئيس السابق لفيدرالية ناشري الصحف بالمغرب، أن ما حدث “غير مقبول أخلاقيا، وممجوج مهنيا، وصادم إنسانيا”.

وفي ليلة رأس السنة، نشرت مواقع إخبارية صور شخص أوقفته عناصر الشرطة بمراكش بينما كان يرتدي لباسا نسائيا، ذكر شهود عيان أنه ارتكب حادث سير وفر من مكان الحادث، لتنتشر فيما بعد على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، صور ومقاطع فيديو توثق لحظة اعتقاله.

وأعلنت إدارة الشرطة بالمغرب، أن المدير العام للأمن الوطني كلّف مصالح المفتشية العامة بـ”إجراء بحث إداري لتحديد ظروف وملابسات تسريب صور لشخص في وضعية خلاف مع القانون، وترتيب المسؤولية التأديبية في حال تسجيل أية تجاوزات محتملة من طرف موظفي الأمن الوطني”.

أثار تسريب تلك الصور غضبا واسعا وسط الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، الذي اعتبروا الأمر “تشهيرا، وخرقا لقرينة البراءة”.

النائبة البرلمانية حنان رحاب، وجهت سؤالا في البرلمان إلى وزير الداخلية، بشأن “الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها بخصوص مثل تلك الوقائع”.

وقالت رحاب، وهي صحافية سابقة، إنه “من المؤلم أن تقدم بعض المنابر الإعلامية على التنصل من كافة المبادئ والأخلاقيات المؤطرة لمهنة الصحافة، والزيغ عن أهدافها المتمثلة في تحصين الوعي الجماعي للمجتمع وحمايته من كل ما يمكن أن يحرفه أو يخلق الالتباس داخله”.

كل ذلك بهدف “تحقيق بعض المكاسب الصغيرة التي لا تتعدى في أحسن الأحوال بعض النقرات الإضافية على مواقعها و صفحاتها بالمجال الرقمي” وفق تعبيرها.

وتتابع المتحدثة تصريحها، مبرزة أن “ما يقع اليوم بالمجال الصحفي يقتضي نهضة كل الغيورين على هذا المجال”، وذلك “من أجل الانتصار للقيم النبيلة التي يقوم عليها، والعمل على تأطيره وحمايته من كل الدخلاء”، كما يفرض، وفقها “انتهاج صرامة مهنية وأخلاقية من الهيئات المشرفة على الإعلام في المغرب ضد كل الاختلالات التي باتت تطوق هذه المهنة”.

وبحر هذا الأسبوع هاجم أحد المحامين، النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية (إسلامي)، آمنة ماء العينين، متهما إياها بـ’التبرج’ عندما تكون خارج المغرب، مقابل “ارتداء الحجاب في المغرب لاستمالة الناخبين”، ليتم بعد ذلك تسريب صور يروّج أنها لها في باريس دون غطاء الرأس.

وفي ردها قالت النائبة البرلمانية إن الهدف من هذه الهجمات هو “التشهير والإساءة بوسائل قذرة تهدف إلى الاغتيال المعنوي”، لتعلن اللجوء إلى القضاء ضد “كل من يمس بسمعتي ويشهر بي ويسيء لعائلتي”.

مدير نشر صحيفة “أخبار اليوم “، يونس مسكين، يثير ثلاث ملاحظات أساسية في علاقة بـ”الانزلاقات المتكررة في المجال الإعلامي والصحافي التي توالت في الفترة الأخيرة بشكل مثير للاستغراب”، وفق تعبيره.

أولى هذه الملاحظات هي “التلقي السيء وغير الصحي من طرف المجتمع بصفة عامة، لما تتيحه التكنولوجيا الحديثة من إمكانيات متطورة وغير مسبوقة للتواصل والإخبار”، ذلك أن الأمر، يقول مسكين “لا يقتصر على الصحافة المهنية، بقدر ما ينسحب على جميع الاستخدامات الممكنة للتكنولوجيا والشبكات الاجتماعية، بما يفيد غياب ثقافة أو تربية إعلامية”.

وأبرز الصحافي المغربي، أن ثاني الملاحظات تتمثل في أن “هذه الانزلاقات جاءت في وقت صدرت فيه نصوص قانونية جديدة، يُفترض أنها تؤطر حقل الاعلام بشكل أكبر، وتشمل حتى الصحافي المواطن الذي يستخدم الشبكات الاجتماعية، وفي وقت تخرج فيه إلى الوجود مؤسسات جديدة مثل المجلس الوطني للصحافة”، وهو المعطى الذي يفيد بحسب المتحدث بأن “تحديات أكبر تواجهها هذه النصوص والمؤسسات الجديدة، ربما فوق ما جرى توقعه أثناء تحضيرها”.

أما ثالث الملاحظات، فتشير بحسب يونس مسكين، إلى أن “الأمر ليس مجرد انحراف في المجتمع، بل إنه يعود في قسم كبير منه إلى السياسات الرسمية، والتي لا تبدو حريصة على حماية الحقوق والحريات، الفردية والجماعية، بقدر ما تغض الطرف، حتى لا نقول تدفع في اتجاه محاصرة الصحافة المهنية المستقلة وإغراقها في سيل من الفوضى والعشوائية”.

أما بالنسبة لأستاذ الصحافة بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، عبد الوهاب الرامي، فإن منشأ تلك “الخروقات الأخلاقية”، يعود من جانب إلى “الجهل بمنظومة حقوق الإنسان والاستهتار بالكرامة الإنسانية”، ومن جانب آخر إلى “الاسترزاق بما يمكن تسميته تسليع الحياة الخاصة للأفراد وإشهار حميميتهم، في الغالب من أجل التكسب المادي أو الانتقام أحيانا”.

وهذا دليل، يقول الرامي على أن “فعل التربية في المجتمع لم ينضج بعد من أجل حقن سيل هذه الخروقات المتعددة والمتكررة والمتلونة بكثير من الألوان”.

وللحد من سيل هذه الخروقات، يطرح المتحدث، عدة حلول، أبرزها “ترشيد وسائل الإعلام المغربية لما يجعلها تتبنى منظومة الأخلاقيات ضمن سياساتها التحريرية”، و”رفع درجة التأهب الأخلاقي لدى كل الفاعلين في المجتمع”.

ويؤكد الرامي على ضرورة “الاهتمام بالتربية الإعلامية والتواصلية داخل مؤسسات التنشئة الاجتماعية وخاصة منها مؤسسات التعليم”، إلى جانب “تبني المجلس الوطني للصحافة لسياسات تجعله قطب الرحى في السهر على أخلاقيات المهنة بما يتيح خلق نقاش مجتمعي حولها”.

وبموازاة ما سبق، يلفت المتحدث إلى ضرورة “تكثيف التقاضي في الحالات التي يعاني فيها مواطن ما من خروقات أخلاقية من لدن وسائل الإعلام”، إلى جانب “الترافع من أجل قضاء منصف ومتخصص في هذه الحالات، بما يضمن رد الاعتبار، فضلا عن تقديم العبرة للآخرين الذين يمكن أن يُقْدموا على خرق هذه الأخلاقيات”.

المصدر: أصوات مغاربية

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق