ميزان لكلام

البلطجة السياسة.. حزب “البام” بطنجة نموذجا

فؤاد السعدي

مِيزان لْكْلامْ

 

لا يختلف اثنان على أن التنافس هو السمة الغالبة على الممارسة السياسة،  وأن أي تدافع أو اختلاف هو مرتبط أساسا بالمشهد السياسي، إلم نقل هو جوهره، مع فارق بسيط في الطريقة و الأداء اللذين يتأثران إما بالمستوى الثقافي، أو بالبيئة الاجتماعية للفاعلين.  وإذا كان وجود التنافس السياسي شيء طبيعي بالنظر إلى ما ذكرناه آنفا، فإنه من جهة أخرى يعتبر ضروريا لأنه الترجمة المنطقية لوجود الأحزاب السياسية في المنظومة الديمقراطية ككل. غير المتابع للمشهد السياسي اليوم لن يجد كبير عناء في رصد كثير من التحولات التي يعرفها ذلك المشهد، ومنها النزوح نحو البلطجة عوض التنافس السياسي النزيه.

مناسبة هذا الكلام ما أصبحنا نراه من مظاهرة العنف اللفظي والمعنوي والمادي لبعض الكائنات الحزبية بطنجة غرضها فرض السيطرة على الأخر، والحد من تأثيره الاجتماعي. ولا ندري لماذا كلما تكلمنا عن البلطجة السياسية إلا يأتي ذكر حزب الأصالة والمعاصرة، هذا التنظيم الذي قد تسميه أيا شئت إلا أن تطلق عليه اسم حزب السياسي لما راكمه منذ نشأته من ممارسات أساءت للفعل السياسي النبيل، وعطلت عجلات تطور الممارسة الديمقراطية بالمغرب، حيث ظهرت مع ولدته مصطلحات جديدة كالبلطجة، والعزوف السياسي، والدولة العميقة، والعنف السياسي. ولعل ما يمارسه أعضاء هذا الحزب من عنف لا يقصر على طنجة، بل يمتد إلى باقي المدن المغربية، ولكن حولنا الحديث عن هذه المدينة فقط لاعتبارات عدة أولها، أن كبرهم السابق بالحزب الذي علمهم أصول “البلطجة” كان حتى وقت قريب رئيسا لجهة الشمال قبل يفر إلى مدريد تاركا الجمل بما حمل، ولا يعلم أحد إلى حدود الساعة كيف؟ ولماذا؟ وهي فرصة سانحة لكل من انتخبه أو حتى من متعه بالثقة حتى يعرف أي الرجال هو، وهل بممارسات مثل هذه الكائنات نعيد للمواطن الثقة في السياسة، وهو الذي لم يجد أدنى حرج في الفرار  والتخلي عن مسؤولياته. ثانيها أن هذه الجهة شهدت أكبر وأبشع مسلسل للعهر السياسي إبان الانتخابات الجهوية، وكيف صارت رئاسة الجهة لمرشح لم يتجاوز عدد من صوت له في دائرته الانتخابية المائة أو أكثر بقليل. ثالثها أن هذه الجهة شهدت ثاني أكبر كذبة وهي كذبة “طنجة تك” بعد “قضية النجاة” لبطلها عباس الفاسي، وهي فضيحة لا تستوجب محاسبة بطلها إلياس العماري فحسب، بل شطب اسم الحزب كله وإحالة مناضليه على التقاعد مع بعض الاستثناءات طبعا. رابعا، ولأنه كبيرهم الذي علمهم أصول البلطجة السياسية لا يتخير رواده عنه في شيء سوى في بعض الجزئيات البسيطة، والنموذج دورات مجلس جماعة طنجة التي أصبحت مرتبطة بشكل بشع ومثير بمظاهر العنف السياسي أبطالها بعض الأعضاء من حزب الأصالة والمعاصرة، وكيف وظفوا هذه الاساليب لتحقيق مصالح شخصية والمنافع الذاتية ضيقة على حساب المبادئ، أضف إلى ذلك الأمية السياسية لدى بعضهم، خاصة عندما ينظرون للآخر نظرة عداء لأن العلاقة مع المخالفين بالنسبة لهم هي مجرد علاقة صراع صفري يقوم على محاولة القضاء على الآخر و إزالته و إنهائه سياسيا، وتاريخ بعضهم في النزوع إلى البلطجة من أجل كسب الأصوات اعتمادا على العنف و شراء الذمم و إرهاب الخصوم و التشويش عليهم بشتى الطرق شاهد على ذلك.

وإلى جانب ما ذكر، ظهر في الميدان نوعا جديدا من البطجة، و هي التهجم على الخصوم والتشهير و التبخيس و التشويش على أدائهم، وقلب الحقائق و تغيير المعطيات، و محاولة ترصد الأخطاء، و اختلاق الأحداث، كما وقع مؤخر عندما تم تسريب مقطع فيديو لاجتماع ترأسه مستشار جماعي بمعية أعضاء من الكتابة المحلية لحزب “البام” وهو يحرض “فراشة” سوق “كسابرطا” على الاحتجاج ضد رئيس مقاطعة السواني دون أدنى اعتبار  للظرفية ولا لدعوة الملك السياسيين للعمل والتخلي على المزايدات والصراعات السياسية الفارغة.  فقد أراد هذا المستشار الجماعي البامي اختلاق بعض الأزمات و النضالات الوهمية بغرض التشويش على حزب العدالة والتنمية و تزييف الوعي الشعبي اتجاهه، كما حدث في المسيرة المشهورة باسم “مسيرة ولد زروال”، هي فقط بعض الأسباب على سبيل الذكر لا الحصر، التي أدت إلى تفاقم ظهور هذا النوع من السلوك السياسي المعتمد على البلطجة و العنف، وكل ذلك مقابل مصلحة أو منفعة مادية. فالرجل لم ينتبه وهو يحرض “الفراشة” على التظاهر إلى أنه يرتكب فعلا جرميا يعاقب عليه القانون، أولا لأن موضوع قبول استفادة هؤلاء من محلات بأحد الأسواق النموذجية من عدمها لا دخل للجماعة أو للمقاطعة بها لا من بعيد ولا من قريب، وثانيا لان السلطات الولائية هي من قامت بعملية إيواء الباعة الجائلين والفراشة في أسواق نموذجية تحت إشراف وتمويل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

خلاصة القول أن الارتقاء بالأداء السياسي اليوم يتطلب تغليب منطق التدافع التنافسي الذي يفوز فيه كل طرف بنسبة كيفما كانت، عوض التنافس الصفري حيث يسعى كل طرف لإنهاء الآخر. وأن ظاهرة البلطجة في المجال السياسي لا يمكن لها أن تستشري في أي مجتمع إلا إذا توفر لها مناخ من التواطؤ والتغاضي والتقليل من حجمها ومحاولة إيجاد الذرائع التبريرية لها. فهي مهما كان شكلها أو تحت أي مسمى كانت لن تكون بديلا عن التنافس السلمي ولا عن الحق في الاختلاف. وما اللجوء إليها إلا لإخماد الصوت المخالف وفرض الرأي الأوحد بالقوة إلا تعبير عن إفلاس الخطاب وفشل قوة المنطق.

 

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق