الرأيمنبر القراء

الدستوريون، حائرون.. يفكرون.. يتساءلون!

بقلم د. الحاج ساسيوي

أستاذ التعليم العالي

 

عندما كنا نستمع – ونحن في عز المراهقة-لأغنية (حبيبتي من تكون؟) للعندليب عبد الحليم حافظ التي غناها سنة 1977م، والتي اقتبسنا من مقدمتها العنوان أعلاه، والتي تعود كلماتها لخالد بن سعود وألحانها للموسيقار بليغ حمدي، لم نكن نتصور آنذاك أن قوة تلك الحيرة والدهشة لن تقتصر على العشاق والمتيمين، الذين تظل أعينهم جاحظة، تراقب سكون الليل، وتناجي خيالات أحبتهم، بل تعداه الأمر إلى حقلنا السياسي، والذي أقل ما يقال عنه أنه حائر ومتردد وتائه، وهلما جرا من صفات الضياع والتيه. مناسبة هذا القول ما طفى وسيطفو على السطح من تراشق وتنابز سياسيين، لم يعرف الحقل السياسي المغربي مثيلا، ولا شبيها لهما. كثيرة هي الأمثلة التى ينطبق عليها عنوان هذه الورقة، وقد لا نجازف إذا قلنا بالفم الملآن أن من لا يوصف به من أحزابنا السياسية قليل جدا إلى درجة الإنعدام، بل نكاد نجزم أن إصابتها به مؤكدة، ولكن بدرجات متفاوتة.

التصاقا بعنوان هذه الورقة، والتي اخترت الحديث من خلالها عن حظ حزب الإتحاد الدستوري مما ذكر، ففي الشهور القليلة الماضية، ودون سابق إنذار خرج الناطق الرسمي لحزب الإتحاد الدستوري ليعلن أن فك الإرتباط بحزب التجمع الوطني للأحرار قد أصبح قاب قوسين من حدوثه، وأن الأسباب المؤدية إليه متوفرة، وأن مصلحة الحزب تكمن في تطبيقه في أقرب فرصة ممكنة والتي لن تكون إلا مناسبة إعادة انتخاب هياكل المجلس النيابي خلال أبريل الماضي، وأن الدستوريين ممتعظون من هذا الارتباط، وأنهم لم يعودو منه إلا بخفي حنين، وأن برلمانيي الحزب يتم تهميشهم وإقصاءهم ولما لا “تقحيرهم” عنوة، وأن هذا الإرتباط سبب للحزب الكثير من النكبات والنكسات، وبث اليأس والإحباط لدى مناضلي الحزب؛ وأن الحزب الحليف (التجمع الوطني للاحرار) استغل فرصة الفريق الواحد، وأحسن توظيفها لصالحه، بل أكثر من ذلك تسبب هذا الإرتباط في زعزعة هياكل حزب المرحوم المعطي بوعبيد، وبالجملة فإن الإستمرار فيه سيؤدي لامحالة إلى إضعاف بل إلى محق هذا الحزب. وانطلاقا مما سبق، فإن الحزب سيعقد مجلسه الوطني نهاية شهر مارس 2019، والذي سيكون في سنم جدول أعماله ، نقطة النظر في مآل ارتباطه بحزب التجمع الوطني للأحرار، وهو الشيء الذي لم يحدث، فلا المجلس انعقد، ولابيان صدر.

تجدر الإشارة إلى أن هذا النقاش الذي أثير انذاك لم يلتفت إليه جمهور الصحفيين، ولم يعيروه الإهتمام اللازم لأسباب يعلمونها هم جيدا على عكس الإنكباب والمبالغة في تتبع ما حدث بين حزبين في الماضي القريب. وحتى لا أغوص في تفاصيل الإرتباط أو التحالف،أو غيرهما، بين حزبين سياسيين، فإنني سأبدي بعض الملاحظات حول الذي حدث بين حزبيي الإتحاد الدستوري والتجمع الوطني للأحرار:

  • غياب بلاغات أوبيانات أو حتى إشارات من المكتبين السياسين للحزبين تكشف بعض الذي طفى مؤخرا وبشكل فجائي غير تدريجي.
  • أن الذي حدث يصعب تصنيفه وتوصيفه، فهو تحالف أو ارتباط محدود في المجال (فريق برلماني موحد)، أختير له من الأسماء : فريق التجمع الدستوري؛ فهذا الشكل الإرتباطي لم ينسحب على باقي تمثيليات الحزبين على مستوى الجماعات الترابية (الجهات،والأقاليم،والجماعات)عبر ربوع الوطن، بل في أكبر المدن نجد أحد الحزبين في طليعة الأغلبية المسيرة، والثاني في مقدمة المعارضة، ناهيك عن غياب أي بصيص يؤكد ويبرر وجود نوع ما من التحالف بين الحزبين ، ولو بمنسوب ضعيف جدا إلى درجة الإنعدام.
  • أن هذا الذي حدث، ويحلو للبعض تسميته ارتباطا، اتخذ في غفلة من تنظيمات الحزب الدستوري (والراجح أن نفس الشيء حدث لدى الحليف، وقد يكون أكثر حدة)، فلا استشارات ، ولا بلاغ صدر عن الجهة المخول لها ذلك، تنويرا للمناضلين الدستوريين وللمتتبعين والمهتمين؛ وكان الأمر سيكون منسجما مع ذاته وفق منطق يحكمه لو تم هذا فك هذا الإرتباط بالطريقة والكيفية التى ولد بها، لا كما يروج له بأن المجلس الوطني هو من سيحسم فيه،رغم أنه لم يستشر في شأنه إبان ميلاده البتة.
  • أن الزعم القائل بأن هذا الإرتباط أضر بالتنظيمات الدستورية وبالمناضلين الدستوريين، وخلق جوا من اليأس والتذمر لديهم، يحمل الكثير من التعميم، ويفتقد للدقة المطلوبة أثناء التحليل السياسي، فلو سلمنا جدلا أن ذلك قد حدث فنحن سنكون حتما أمام شيء آخر كيفما كانت طبيعته إلا أن نقول عنه تنظيمات حزبية، فهذا توصيف لايستقيم.أكيد أننا لا ننفي تأثير ما حصل على الحزب برمته، ولكن بشكل جزئي، إنما الذي أثر على تنظيمات الحزب هو عدم هيكلتها، وتهميشها، وتجميدها، فغالبا لا أثر للهياكل الإقليمية والجهوية إلا ما نذر، بل أكثر من ذلك لم ينضبط الحزب لما هو مسطر في قانونه الأساسي، ومضى زمن لم تنعقد فيه هياكله المركزية.
  • أن الذي حدث إن كانت له من حسنة، فهي أنه أفاض كأسا كانت مملوءة، وتحتاج إلى طرح كل القضايا المستعجلة التي عانى ويعاني منها الحزب؛هي حالة من “القنوط” و”الحيرة”،وغيرهما قد أصابت حزب المرحوم بوعبيد في مفصل، وتحتاج إلى علاج عاجل ومتين.

ورغم ما أثير من تناطح في الآراء بين قيادات هذا الحزب – في غياب تام للهياكل والمؤسسات التنظيمية للحزب- فسرعان ما انمحقت هذه الزوبعة، ليتبين أن أمورا أخرى كانت تدار سرا بالموازاة، وأن المسكوت عنه هو المتحكم فيما جرى، فلا انعقاد للجنة الإدارية ولا للمجلس الوطني ولالغيرهما، كما تم التصريح بذلك،ولاحتى إصدار بيان أو تقديم تصريح مقتضب من قبل الناطق الرسمي للحزب،كل مالوحظ هو تقلد بعض القيادات لمناصب وتكليفات بمهام رسمية.

ومرة أخرى وبعد انقضاء الآجل القانوني لعقد مؤتمر الحزب، هاهي  تطلع علينا بعض التصريحات تؤكد أن المجلس الوطني والمؤتمر سينعقدان في غضون الشهرين القادمين؛فهل سيصدق وعد قادة الحزب هذه المرة؟

تلكم  هو جزء بسيط من حيرة وتساؤل الجسد الدستوري، والذي تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الجلوس مع الذات، لتشخيص واقع حزب يئن، ويحتاج إلى جرعات كبيرة من الإنصات للمناضلين الدستوريين أينما وحيثما وجدوا،لعلها تكون انطلاقة جديدة لحزب يزخر بالطاقات والكفاءات المغمورة، والتي تختزن الكثير من الكفايات والمهارات السياسية.

أم أنها ستكون بداية نهاية لحزب سيفقد بصيص ماتبقى لديه من المناعة التنظيمية؟

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق