ميزان لكلام

عندما يَصدُرُ العَبثُ من وزيرٍ مُرتَبِك..

فؤاد السعدي

مِيزان لْكْلامْ

 

لا حديث في الصالونات السياسية إلا على وزير الثقافة والشباب والرياضة، الناطق الرسمي باسم الحكومة الحسن عبيابة وخروجه المرتبك على وسائل الإعلام مرة أثناء الندوة الصحفية التي أعقبت أشغال مجلس الحكومة، ومرة داخل قبة البرلمان عندما تلقى سؤالا من أحد النواب يتعلق بتأهيل دور الشباب بالمملكة، ليرد عليه الوزير برد لا علاقة له بالسؤال، وهو ما خلف استهجانا من قبل النواب البرلمانيين الحاضرين، وعندما أراد الرجل تدارك الموقف المحرج الذي وضع نفسه فيه، بخلق عذر لسوء فهم السؤال سقط في زلة أفظع. فالوزير عندما حاول تبرير وضعية الشرود التي كان عليها وقت طرح السؤال، الذي جر عليه سُخرية واسعة من قبل بعض البرلمانيين الذين اعتبروا تهربه خرقا للنظام الداخلي لمجلس النواب، لتنكشف للمغاربة حقيقة لم تكن في الحسبان وهي أن أسئلة البرلمانين في الجلسة الشفوية يتم إعداد أجوبتها سلفا من قبل الوزارة، وفقا لترتيب تشرف عليه الوزارة المكلفة بالعلاقة مع البرلمان، وبالتالي كذب ما كان يعتقد في أن أجوبة الوزراء على أسئلة البرلمانين لم تكن قط ارتجالية. فارتباك الناطق الرسمي باسم حكومة الكفاءات أكد للمغاربة بما لا يدع مجالا للشك أن الجلسات الشفوية التي تعقد بالبرلمان وتنقل مباشرة على قناة تلفزيونية ليس الغرض منه تنوير الرأي العام بما يجري داخل المؤسسة التشريعية، وكشف ذلك التدافع السياسي بين الحكومة والبرلمان وإظهاره على أنه طبيعي وتلقائي، الغاية منه الصالح العام، بل هي بروفات من أجل التسويق الإعلامي والترويج لفكرة أن نواب الأمة يجدون ويجهدون أنفسهم دفاعا عن كرامة المواطن حتى ينعم في الرفاهية والرخاء.

وهنا لن نقف لا عند دور البرلمان ولا عند طريقة تدبيره للشأن التشريعي، ولكن سنتكلم على وزير شكل الاستثناء بكل المقاييس في “حكومة الكفاءات” بعدما أظهر ضعفا في التواصل مع الصحافيين والبرلمانيين، ولن نوجه اللوم له لوحده بل حتى لمن رشحه لشغل منصب يحتاج في الأصل لوزير تتوفر فيه الموهبة الإدارية  والإلمام بفنونها، لا  إلى وزير بخلفيات أكاديمية، أو قريب من رئيس حزب. فوزارة الثقافة والشباب والرياضة  لها خصوصية معينة، وتحتاج إلى وزير  محنك قادر على طرح تصورات لسياسات عامة تخضع لنقاشات مجتمعية حتى يتم الاتفاق حولها لضمان استمراريتها وتأثيرها على المدى البعيد، في الوقت الذي لم يتم بعد حسم النقاش حول ماهية وظيفة الوزير إن كانت سياسية أو إدارية.

فالأكيد ليس هذا ما كان يشغل بال رئيس الحكومة وهو يعد لائحة “حكومة الكفاءات” بل كان كل اهتمامه منصبا حول عملية تجميع عدد من القطاعات في وزارة واحدة  بهدف تقليص عدد الوزراء، وكانت النتيجة وزارات بقطاعات غير متجانسة كما هو حال وزارة الثقافة والشباب والرياضة الناطق الرسمي باسم الحكومة،  مع العلم أن المرحلة الراهنة تستدعي الاهتمام بالثقافة بصورة مباشرة ومركزة، فالعالم أصبح قرية واحدة تموج فيها الأفكار والنماذج المختلفة، ولا بد من العمل على تنمية الجانبين الفكري والإنساني في مجتمع يشكل الشباب فيه نسبة كبرى، واستقطاب هذه الطاقات والقدرات ضمن مشروع ثقافي منتم إلى هويته ووطنه بات أمرا تؤكده التحولات العالمية التي احتلت فيها الثقافة مركزية بالغة الأهمية لصناعة الانسجام والانتماء والتماسك في مواجهة القوى المغرضة التي تستهدف اللحمة الوطنية، ووجود حاضنة لكل هذا بحجم وزارة الثقافة لوحدها سوف يرقى بهذا المرفق، وان ضمها مع قطاعات أخرى لن يساهم في تأسيس ثقافة مغربية عريقة وحديثة متنوعة، عمقا وأصالة.

ولعل هذا ما يفسر الارتباك المتكرر الذي وقع فيه الحسن عبيابة في أكثر من مناسبة، ليس لأنه غير متمكن من أدواته، ولكن لان منصبا من حجم وزارة الثقافة لوحده أكبر منه، بدليل أن كل المؤشرات توحي بذلك، وأنه لن يخرج عن خانة من سبقوه من الوزراء ممن سخر منهم المغاربة وأطلقوا عليهم ألقابا من قبيل “مول لكراطة” و”مول الشكولاطة”و “الفعفاع”و”وزوج فرنك” واللائحة طويلة.

فخرجات عبيابة التي امتعض منها الجميع لم تقف عند الندوة الصحفية أو تحت قبة البرلمان، بل تعدتها لما هو أفظع، فالوزير إضافة إلى حالة الارتباك والشروذ، وجد نفسه مرة أخرى في موقف لا يقل سخرية عن سابقتها من خلال المذكرة الوزارية عدد 116 بتاريخ 16 أكتوبر  الجاري، موجهة إلى الكاتب العام ومفتش عام وزارته مدراء الإدارة المركزية والمعاهد العليا ورؤساء المصالح اللاممركزة، والمتعلقة بتعين أحد الأسماء رئيسا لقسم التعاون بالنيابة، وقد تضمنت هي المذكرة أخطاء كارثية بكل المقاييس من قبيل “أنهي على علمكم” عوض “أنهي إلى علمكم” وعيهن” عوض “وعليه”، هذا دون الحديث عن فحوى المذكرة وطريقة صياغتها التي لا تليق لا بسمعة ولا بمستوى من وقعها.  الأكثر من هذا أنه في ظرف أقل من أسبوعين نفس الوزير يراسل على عجل الكاتب العام لقطاع الاتصال من أجل الإعداد “لانعقاد اجتماع برئاستي ” كما ورد في موضوع المراسلة وليس لعقد اجتماع مع رفع كلمة “رئاستي” ما دام الاجتماع في الأصل سيعقد برئاسة الوزير ولا أحد غيره، فهل من سخرية أكثر من هذه؟ فما يقع لوزير الثقافة والشباب والرياضة الناطق الرسمي باسم الحكومة شيء من إثنين، إما أن الرجل لم يصدق بعد أنه أصبح وزيرا، وإما أنه لا زال منتشيا بالمنصب الجديد، وفي كلتا الحالتين يجب على رئيس الحكومة الحيطة من سلوك هذا الرجل لأن صورة الحكومة أمام الرأي العام لا تحتمل المزيد من هزات خصوصا إن كانت من “الكفاءات”، هذا دون أن نذكر بأن المراسلة وصلت لمكتب الضبط في ظرف أقل من 24 ساعة على عقد الاجتماع، وهي فرصة لنتصور من خلالها الطريقة التي سيتصرف بها الكاتب العام لقطاع الاتصال مع عبث صادر من وزير مرتبك؟

ومع كل هذا فلا يمكن أن نستغرب من تصرفات وسلوك الوزير الحسن عبيابة خاصة ونحن نعرف من أي حزب جاء، ومن رشحه لتولي هذا المنصب، ووفق أية معايير  “أشْكُون شَكْركْ يا العْرُوسَة، قَالتْ لِيهمْ امِي وخَالتي”.

 

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق