منبر القراء

وزير أعجوبة أم حكومة أعاجيب!

بقلم د. الحاج ساسيوي

أستاذ التعليم العالي

 

أثناء التعديل الحكومي الأخير، لم يتوان السيد رئيس الحكومة في تكرار عبارة مفادها أن “استوزار  رئيس شبيبة حزبه هو أعجوبة الزمان”؛ وهو الأمر الذي يجعل المتتبع يتساءل عن المعايير التي اعتمدها السيد رئيس الحكومة، والتي جعلته يضفي هذه الصفة الخارقة، والنادر استعمالها في هذا الحدث “الطبيعي المألوف”.

أسطورة الأعجوبة”:

بالرجوع إلى سياق الحدث،وكذا إلى ظاهر وباطن تصريح السيد رئيس الحكومة، يتضح للوهلة الأولى ودون عناء يذكر، أنه  استند في نعته هذا، على  عنصرين اثنين، رغم أن السبق في ذلك حاصل ومتكرر لغيره لا له:

  1. كون المعني بالأمر بلغ أشده وتجاوز الأربعين سنة، فهي صفة تحلى بها قبله العديد من الوزراء منذ حكومة عبد الله إبراهيم، مرورا بحكومة السيد عبد الرحمان اليوسفي، وإلى آخر حكومة معدلة، والدليل على ذلك متوفر ووافر.
  2. كونه ينتمي إلى الطبقة المتوسطة في السلم الاجتماعي، فالأمثلة على ذلك كثيرة ويصعب حصرها،فلعلها الصفة التي لا نجد حرجا في إضفائها على أغلبية الوزراء، حتى أننا نكاد نعدم غيرها؛ ومن كل الطيف السياسي.

ويبقى سبب وحيد، قد يكون السيد رئيس الحكومة تحاشى التفوه به، وهو أن تكون جهة ما، فرضت استوزار  المعني، والذي نتمنى بصدق عدم حدوثه،(مع استحضار حسن نيتنا)،لما فيه من مس بديقراطية واستقلالية قرار حزب، لطالما ادعاهما.

 أعاجيب حكومة:

لا نجد حرجا إذا أعلنا منذ البداية، أننا وجدنا صعوبة بالغة في سرد وترتيب أعاجيب هذه الحكومة، في صيغتيها السالفة والمعدلة، لوفرتها وتنوعها، لذا سأكتفي بنتفة منها:

  1. تعديل غير حزبي وتعاير غير مسبوق: من نافلة القول أن مصدر الدعوة إلى التعديل الحكومي الأخير، كان مصدره رئيس الدولة، بعدما أعلن عن فشل النموذج التنموي الحالي، وبعد أن دعا من خلال جملة من الخطب إلى ضرورة مباشرة المشاكل، التي يعاني منها المواطن، وإيجاد الحلول العاجلة لها؛وفي وقت كان فيه المكونان الرئيسيان للحكومة غارقان في التنابز ، والتعاير والتموقع الانتخابي، استعدادا لاستحقاقات 2021.
  2. موقف سياسي غير مفهوم: في الوقت الذي أبدى فيه الحزب الأغلبي، رفضا صارما وشرسا لمواقف نده السياسي أثناء تشكيل حكومة 2016، وما رافق ذلك من “بلوكاج” لما يناهز نصف سنة، نتيجة ما اعتبره آنذاك استهدافا له. فنشأ وكبر التنافر بين الحزبين الخصمين، والذي لازال مستمرا  إلى حدود اليوم، فإن السيد رئيس الحكومة، قبل بارتياح وترحاب تشكيل حكومة نصفها “تكنوقراط”،مما يعتبر سابقة وأعجوبة بحق في زمننا وتاريخنا السياسيين،ومسا وتحقيرا وخدشا بمؤسسة ” الحزب السياسي”.
  3. حكومة “جرح لسانها” وفقدت هيبتها: سأعرض عن إعطاء أمثلة لذلك، فالأمر مرتبط لدي بالذاتي والموضوعي. فالأكيد أن لسانها في زلاته كان حاتميا في كرمه؛ وهو ما يسائل معيار “الكفاءة” لديها؛ وقد يميط عنها لثام الوقار ، ويفقدها هيبة “حكومية”، كانت قد كسبتها إبان حكومتي السيدين: عبد الله إبراهيم وعبد الرحمان اليوسفي، على الأقل.
  4. مديونية تتغول: بالرجوع إلى لغة الأرقام، يتضح أن حجم الدين العام للخزينة تجاوز 722.7 مليار درهم خلال  نهاية 2018. وحسب أحدث تقرير لمديرية الخزينة العامة، صادر في أبريل الماضي، فإن الدين الداخلي بلغ .558.3 مليار درهم. وبلغ الدين الخارجي، حسب البيانات التي كشفت عنها وزارة الاقتصاد والمالية، في 29 مارس 2019،ما مجموعه 34.1  مليار دولار. ويتوقع البنك المركزي ارتفاعا لمديونية الخزينة (الناتج الداخلي العام) من %65 سنة 2018 إلى 65,5%  السنة الحالية. ونسجل كذلك ارتفاع الدين العمومي، الذي يضم مديونية الخزينة العامة، والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية،من 82% من الناتج الداخلي الخام سنة 2017 إلى زيادة بنسبة 0،2 سنة 2018،ومن المنتظر أن يزيد بنسبة 0،5 هذه السنة(2019).

وبالمحصلة، فإن هذه الوضعية المالية، هي السبب المباشر في نشوب عدة احتجاجات شعبية، وهو الأمر الذي أقره تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي، في تقريره الموسوم ب” آفاق الاقتصاد الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان”. وهي الوضعية التي توضح بأن الحكومة عاجزة عن تعبئة موارد إضافية، قادرة على الاستجابة للتطور الذي تعرفه نفقات الدولة.

  1. بطالة لا تبقي ولا تذر: على الرغم من التوقعات التي طرحها البرنامج الحكومي (2016)،والأرقام التي لوح بها ،فإنها لاتعدو أن تكون مجرد “آمان” ، بعد أن سفهتها الأرقام على أرض الواقع. وفي هذا الصدد، فقد تجاوز معدل البطالة  مع نهاية 2017نسبة  10,2% بعدما كان سنة 2016 في حدود 9,9% ؛ وشمل بالأخص الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 عاما، والذين يشكلون نسبة 26,5%؛ ويتمركز معظمهم بالمدن بنسبة  42% . وبمعيار النوع، فإن بطالة  النساء تصل إلى معدل نسبته 14,7% مقابل 8,8% لدى الرجال.  وفي مذكرة عممتها المندوبية السامية للتخطيط، عن وضعية سوق الشغل خلال سنة 2017، فقد أشارت إلى أن عدد العاطلين ارتفع بـ49 ألف شخص بالوسط الحضري، ليسجل  بذلك عددا إجماليا وطنيا يصل إلى مليون و216 ألف شخص عام 2017، في الوقت الذي كان لا يتجاوز  مليون و167 ألف شخص سنة  2016.   وسبق للحكومة أن تعهدت باستحداث مليون ومائتي ألف منصب شغل،  في الفترة الفاصلة بين 2018  و2021. وهو الأمر الذي تدحضه مقتضيات قانون المالية لسنة 2018، الذي شهد انخفاضا في عدد المناصب ( 23    ألفا إلى 19 ألفا، أي بتراجع بلغ 4 آلاف منصبا)، بمبرر التحكم في كتلة الأجور (تصريح رئيس الحكومة).

فالمطلوب إذن من الحكومة – حسب المراقبين- هو عدم الارتكاز على الاستثمارات الأجنبية لوحدها، لحل أزمة البطالة، بل لابد من العمل ( من بين ما يجب العمل به ) على تطوير الإنتاج الداخلي، لعلنا ننعم بحكومة الإنجازات” لا “الأعاجيب”.

 

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق