ميزان لكلام

أخنوش.. إرحل

فؤاد السعدي

مِيزان لكْلام

 

هل كان المغاربة في حاجة لأخنوش و أمثاله كي يذكرهم بثوابت الأمة، وبأن المساس بمؤسسات الدولة خط أحمر؟ هل كان المغاربة حقيقة في حاجة ليوكلوا من ينوب عنهم في القصاص وتطبيق شرع اليد مع كل من سولت له نفسه سب المقدسات؟ هل المغاربة في حاجة فعلا لإعادة “الترابي” على حد قول رئيس حزب التجمع الوطني الأحرار؟ هي تساؤلات رد عليها المغاربة بطرق وأشكال مختلفة خصوصا عندما عبروا بالإجماع عن رفضهم منطق الوساطة في علاقتهم بملك البلاد وبمؤسسات الدولة، وأن شعار “الله الوطن الملك” ليس للمزايدات أو للمحاباة أو التملق السياسي، بل هو شعور متجدر بالانتماء لوطن ضحى من أجله الأجداد والإباء، وافدوا أرواحهم من أجل استقلاله حتى ينعم الأبناء بالحرية والاستقرار. فأين كان أخنوش آنذاك عندما كان أجداد وآباء المغاربة مرابطين في السهول والجبال لتحرير البلاد من قبضة المستعمر؟ أين كان الرجل لما تعاهد الشعب والعرش على تحرير البلاد؟ أكيد لو تمكن من الإجابة سيكتشف حتما قدسية وسمو العلاقة التي تربط الملك بالشعب، وسيعي جيدا أن صمام الأمان واستقرار هذا الوطن هو وفاء الشعب للعرش، والجزم أنه لن يتمكن، ليس لأن الأسئلة عصية، ولكن لأنه لم ينشأ لا في بيت فاحت منه روائح دماء الشهداء المدافعة عن الوطن، أو سُمع فيه أنين فدائي مصاب، أو شُوهدت فيه دموع امرأة حزنا على فراق زوج أو أب أو أخ بعدما تم اختطافه أو سجنه أو أعدمه.

أخنوش بقدر ما أهان المغاربة، بقدر ما أبان عن ضعف كبير في الإدراك وانحدار في الفكر، ورداءة في اللغة السياسة وضعف في التكوين السياسي، وعجز كبير في التمييز ما بين التواصل السياسي المبني على اللغو والثرثرة اللغوية والسطحية في انتقاء العبارات والتهديد والوعد والوعيد، والتواصل السياسي المبني على الأخلاق والقيم والاحترام. لقد ارتكب هذا الملياردير الذي جيء به لعالم السياسة خطأ فادحا في حق المغاربة يستوجب على إثره إعلان رحيله النهائي. فلو قال ما قاله أخنوش في بلاد تُعتبر فيها كرامة المواطنين خط أحمر، لتمت على الفور محاكمته بتهمة التحريض وإثارة الفتنة أو على الأقل إبعاده عن معترك السياسة. فما الفرق إذن، ونحن نتحدث عن زلات السياسيين، بين زلة شباط أو مزوار اللذين تلقيا على أثرها البطاقة الحمراء، وزلة أخنوش التي ضلت دون محاسبة حتى الآن. هل لأن شباط ومزوار مسا بكلامهما دولتين شقيقتين، في حين لم يهن أخنوش بتصريحه سوى المغاربة؟ وهو سلوك حسب التقدير يعتبر أقل ضررا، وبالتالي لا يستوجب معه المحاسبة، ويبقى في الحالتين من أهان ومن قدر لا يعير اهتماما لكرامة المواطن؟  رئيس حزب الحمامة بعبارة “نعاودو الترابي” لم يهن الشعب المغربي فقط، ولكن قتل السياسة والفعل السياسي بخرجاته وشطحاته، وعبث بحزب شكل حتى وقت قريب التوازنات في المشهد السياسي  بالمغرب، عندما وظفه كوسيلة للتشكيك والتخوين والتجريح والابتذال والشيطنة، من أجل القضاء على ما تبقى من العذرية السياسية بعد تراجع النخب المنتجة للأفكار داخل الأحزاب، وغياب التجديد في أدبيات الحوارات السياسية، وعدم التشبع بثقافة ومنهجية مجتمعات المعرفة، لتكون النتيجة في الأخير، خروج قيادات معاقة فكريا وثقافيا وتواصليا، وهو ما أفقد اللغة السياسية قيمتها وقوتها وجاذبيتها في صنع رأي عام يحترم السياسة والأحزاب والفاعل السياسي ذاته. ولا نعتقد أن تنظيمات وكوادر حزب “الحمامة” راضون على سلوكات رئيسهم الذي لم ينجح سوى في رفع منسوب سخط المغاربة على هذه الهيئة السياسية، ولن نستغرب يوما ما إذا امتدت شرارة حملة مقاطعة المغاربة لمنتجات آل أخنوش لتصل إلى الحزب الذي يرأسه، وان كتائبه التي تم توظيفها للدفاع عنه وتلميع صورته أمام الرأي العام باختلاق الأعذار لتبرئته مما اقترفه لسانه لم تزد الطين إلا بله، فالمغاربة لم يعد يطيقون الأعذار بقدر ما يرغبون في سماع الاعتذار.

وكرد على من يعتقد أن حقد المغاربة وسخطهم على أخنوش سببه النجاحات التي أحرزها، والمكاسب التي وصل إليها والثروة التي راكمها، بكده وجهده، وبالتالي لا يجوز محاسبة الرجل على ما حققه ذاتيا، نقول لهم بكم تضاعفت ثروة الرجل منذ أن وطأت قدماه عالم السياسة وأصبح يتحكم في خيوط السلطة؟ هل كان سيحقق ما حققه من أرباح طائلة لو لم يزاوج المال بالسلطة؟  فيكفي أن نعرف نسبة الميزانية العامة التي يتحكم بها باعتباره وزيرا للفلاحة والصيد البحري منذ 2007، وما تم تحقيقه، وفي تقرير جطو الأخيرة الدليل بالملموس على فشل برامج المخططين الأخضر والأزرق ومخطط أليوتيس بعد أن كلفوا المغرب ملايير الدراهم من جهة، ونلقي نظرة على ثروته خلال سنة واحدة ما بين 2017 و2018  التي ارتفعت إلى 1300 مليار سنتيم بوأته المرتبة 1376 في تصنيف أصحاب الملايير في العالم  حسب مجلة “فوربيس” من جهة أخرى كي نعرف الجواب حقد المغاربة على الرجل، هذا دون الحديث عن المحروقات.

فلم تعد معاناة هذا الشعب اليوم تتجلى في إنتزاع الكرامة منه، وإِغتصاب حقوقه وسلب أمواله وثرواته، بل أَضاف أمثال هؤلاء السياسيين لها الإهانات، كأن المغاربة سِلعة رخيصة في مزادات السياسية، أو مُجرد أَعدادٍ تَتَناقص وتتزايد في بورصات الانتخابات، وبالتالي لا شعور ولا إدراك بذلك ممن يدعي القيادة السياسية. “باش نكونو واضحين، راه مكاينش مزايدات، لي حسابو يجي يدير القذف ويسب المؤسسات راه ماعندوش بلاصتو فالبلاد، اللي بغا بلادنا خاصو يحتارم شعار الله الوطن الملك، والمؤسسات والديمقراطية، ماشي بالقذف باش نزيدو للأمام، سمحولي.. ماشي غير العدالة لي دير خدمتها لأن واحد سب، المغاربة حتى هما خاصهم يديرو خدمتهم، المغاربة لي ناقصاهم التربية نعاودلو التربية ديالو”. هكذا قالها عزيز أخنوش وسمعها المغاربة، عبارات كلها تهديد وفتنة وتحريض من زمن قياد الاستعمار الأجنبي بالمغرب المكلفون حينها باستتباب الأمن والاستقرار بين القبائل وتأديب “السايبة” منها  لإخضاعها، فالرجل لا يرى أن العدالة تقوم بدورها على نحوٍ أكمل من أجل ردع كل متطاول على المؤسسات كي يدعو المغاربة إلى تطبيق شرع اليد دون استحياء. وفي هذا تشجع على فرض سلطة البلطجة والملشيات، بل إهانة ضمنية لمؤسسة القضاء، واتهامها بالتقصير  في ردع كل من سب المؤسسات. أخنوش بهذا المنطق “الشبيحي” يسعى إلى زرع بذور الفتنة بتحريض المغاربة على كراهية بعضهم لبعض، وكراهية كل مخالف للرأي. صحيح لا أحد يرضيه سب المؤسسات، لكن في نفس الوقت لا أحد يقبل “يعاودلو أخنوش الترابي”.

الوطن ليس مِلكاً لأخنوش أو لأي أحد غيره، بل هو مِلكٌ للجميع، وليس أخنوش أو أي أحد غيره من سيقرر إن كان للمعارض أو المنتقد “بلاصتو فهاد البلاد”. رئيس التجمع الوطني للأحرار يلزمه بعض الوقت لقراءة التاريخ حتى يعلم كيف أطلق المغفور له الملك الحسن الثاني عبارة “إن الوطن غفور رحيم”، وتفنن في إخراجها من دواليب نظامه السياسي ليرفع كل حرج أو ضرر قد يلحق العائدين من جبهة “البوايساريو” إلى الأراضي المغربية حتى وان كانوا من الرافعين لشعار المقاومة المسلحة ضده أو من المخططين والمفكرين والمساهمين في زعزعة أمن الوطن واستقراره.

عرضنا هذا النموذج ليس كي نقارن بين الرجلين، فالفارق من دون شك شاسع بين منبع الحكمة ومصب العبث. أفلا يوجد في حزب “عصمان” رجل رشيد؟ هل يجوز أن نقول مع كل هذه الزلات لأخنوش، ولكل من يستعلي على المغاربة، ألا بئس زمن الفجور جعلكم فيه سياسيين.. ألا بئس السياسة أنتم رجالها.. ألا بئس الزمن أصبحتم فيه قادة وزعماء.. ألا يستحق أخنوش بعد كل هذه الاهانات أن نرفع في واجه كلمة “ارحل”.

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق