منبر القراء

مهلا عبيابة.. التغيير ضروري وملح، لكن لن يكون إلا مؤسساتيا.

د.الحاج ساسيوي

أستاذ التعليم العالي وعضو اللجنة الإدارية لحزب الإتحاد الدستوري

 

إن المتتبع للشأن الحزبي المغربي يصادف لدى الجرائد الوطنية الرقمي منها والورقي، عناوين لايستوقفه مثيل لها بعد ذلك أبدا؛ من قبيل: “أزمة ‘الحصان’ تتفاقم…عبيابة يوجه إنذارا لساجد،ويهدد بمقاضاته”،بل إنه وجه له رسالة يطالبه فيها بموافاته بمحاضر الإجتماعات الخاصة بأجهزة الحزب،شفيعه في ذلك “حق الأعضاء في الحصول على المعلومة”(جريدة العمق،20-02-2020)؛ و”هل يقود عبيابة حراكا سياسيا داخل الإتحاد الدستوري للإطاحة بساجد؟هل تتفجر الأوضاع بحزب ‘الحصان’؟( جريدة مغرس،17-01-2020)؛و”عبيابة يناور للإطاحة بساجد من الأمانة العامة للحصان” (جريدة بلبريس،20-01-2020)؛بل أكثر من ذلك، ادعت هذه الجرائد أن عبيابة مسنود ب”حركة التغيير واستشراف المستقبل”(جريدة المغرب اليوم،04-02-2020)،وهي “الحركة” التي لاعلم للدستوريين بها، والتي لا توجد إلا في ذهن من يسوق الوهم ويجيش العبث؛ تلكم عناوين ومثلها كثير.

وتسترسل هذه الجرائد في تعداد الأسباب التي أدت إلى نشوب هذا الصراع استنادا إلى مصادرها، والتي وصفتها بالمقربة والموثوق من روايتها؛أسباب(حسب الجرائد) يمكن وضع عنوان كبير لها،مفاده أنه منذ انتخاب محمد ساجد على رأس الأمانة العامة للحزب، لم يتحقق إلا شيء وحيد وواحد،ألا وهو تجميد أنشطة كل مؤسسات الحزب( المكتب السياسي،واللجنة الإدارية،والمجلس الوطني،والهياكل الجهوية والإقليمية، والهياكل الموازية المختلفة،…). وللتذكير فقد انتخب ساجد أمينا عاما للحزب يوم 25 أبريل 2015،خلفا لمحمد الأبيض بأغلبية الأصوات (825صوت).

وحتى يتسنى لنا إماطة اللثام عن بعض المسكوت عنه، بخصوص هذا الذي يتم الترويج له ،والقاضي بالتسويق ل”زعامة مزيفة”،أريد لها قسرا أن تحدث،وتم التطبيل لها إعلاميا،خصوصا وأنها تلحق الضرر بصورة حزب له مكانته المتميزة في المشهد السياسي المغربي؛ أشير إلى مايلي:

  1. أن الجمود الذي تعرفه هياكل الحزب حقيقة يجمع عليها كل أعضائه،وأن الكل ينادي بضرورة التدخل العاجل لتجاوز الأزمة الآنية، ولن يتأتى ذلك إلا بشكل جماعي متفق عليه،وبعيد عن ردود الأفعال الفردية المتسرعة والمناسباتية وغير المدروسة،وذات الأهداف الشخصية؛فلا بديل عن التغيير النابع من المؤسسات، والمنبثق عنها.
  2. أن هذه الحملة الإعلامية منفوخ فيها بشكل مبالغ فيه،وتم تسويق صورة شخص وإلغاء دور مؤسسات الحزب وقاداته ومناضليه؛ الشيء الذي يشوه صورة المؤسسة الحزبية المغربية ويخدش سمعتها.
  3. أن التغيير داخل أي الحزب لايمكن أن يقوم به شخص واحد،مهما بلغ من الكفاءة السياسية والمهارة التنظيمية،علما بأننا اليوم نكاد نعدم الشخصية “الكاريزمية” داخل الحقل السياسي الحزبي المغربي؛فحزب المعطي بوعبيد له قاداته ومناضلوه،فهم المتمترسون في الصف الأول،والأكيد أن عبيابة يغيب عن تشكيلته.
  4. أن تحميل المسؤولية في كل الذي حدث ويحدث داخل الحزب لشخص/قائد لوحده،حتى وإن كان هذا الشخص هو الأمين العام الحالي،حكم لا يستقيم، ولا يمكن تقبل دفوعاته.
  5. غياب أي تصريح للناطق الرسمي للحزب (عبيابة)،تمشيا واستجابة لمهمته،إذ نكاد نعدم أي تصريح له منذ تعيينه وتكليفه بهذه المهمة، وهو بذلك يستحق لقب “ناطق رسمي غير ناطق”،خصوصا وأن ما أوردته الجرائد تم باسمه، وهي كثيرة جدا ومتكررة، وحتى يتسنى لأعضاء الحزب حق الحصول على معلومة تهم “مؤسستهم/حزبهم”، وتفاديا للتيه والتأويل الخطأ.
  6. أن المشاكل التي يعاني منها الحزب،ليست وليدة اليوم، بل تعود لسنوات لا تقل عن الخمس ؛ فأين كان عبيابة؟ لماذا التزم الصمت ودلس على أعضاء الحزب؟ فإلى وقت قريب (تاريخ انعقاد اللجنة الإدارية الأخير)كان عبيابة يصرح بالفم الملآن أن حزب المعطي بوعبيد بقيادة ساجد لا خوف عليه، وأن وجود هذا الأخير في سنم الحزب يشكل صمام أمان له (الحزب)، وهو الأمر الذي ينكره اليوم، ويتناقض بشأنه، ويدعي مخالفته.
  7. أن عبيابة قبل استوزاره كان ينادي بضرورة فك الإرتباط بحزب التجمع الوطني للأحرار على مستوى الفريق النيابي، وأن الحزب لم يجن من هذا الإرتباط إلا الخيبة، وتآكل أجهزته؛لكن سرعان ما تمت تسوية باطن الأزمة، ولم يبادر السيد عبيابة بإصدار بيان يوضح فيه ما جرى، ولماذا تم العدول عما كان يرافع من أجله.
  8. أن عبيابة بعد استوزاره،ادعت مجموعة من الجرائد أنه وزير “مقرب جدا” من حزب العدالة والتنمية، و”مناهض/معادي” لحزب التجمع الوطني للأحرار؛ وهي الأخبار التي أقلقت الجسد الدستوري؛ خصوصا وأن أحداثا طفت آنذاك، زادت من منسوب صحتها،من قبيل: تصريح عبيابة بأن سلفه بوزارة الشباب والرياضة (المنتمي للتجمع الوطني للأحرار،أخذا بعين الإعتبار الخلاف/الخصام الذي كان لهذا الأخير مع قادة حزب العدالة والتنمية بخصوص المخيمات الصيفية) لم يقدم أي شيء ذي قيمة،وأنه لم يجد خطة للنهوض بالرياضة تذكر،وأنه سيحيل عدة ملفات على المجلس الأعلى للحسابات تهم فترة سلفه التجمعي.
  9. أن عبيابة بعد استوزاره،ونتيجة لعدة هفوات صادفته (“واقعة” موريتانيا- بلد المليون شاعر،و”محنة” أول مؤتمر صحفي بعد أول مجلس حكومي،و”مسألة” الجلسة البرلمانية،و….)؛ بزغت مجموعة من الأصوات المنادية بإقالته أو على الأقل “نزع” مهمة الناطق الرسمي للحكومة منه، بداعي أنه لم يكن في مستوى انتظاراتهم من حكومة قيل عنها بأنها “حكومة كفاءات”. وفي سابقة من نوعها في التاريخ السياسي المغربى سارع حزب رئيس الحكومة (العدالة والتنمية)، وإلى جانبه أجهزته الإعلامية للدفاع عن وزير لايشاطرهم المرجعية، ويتحالف حزبه مع الحزب “الخصم”(التجمع الوطني للأحرار)؛وللذكرى فقد بادرت البوابة الإلكترونية للبيجيدي،وبشكل غريب، بعد منتصف ليلة الجمعة-السبت، لتعلن استنادا إلى مصدر مقرب من داخل الحزب،قائلا: ” إن الحديث عن إعفاء الوزير عبيابة من مهام الناطق الرسمي باسم الحكومة،تشويش لن يفيد شيئا،ولن يحقق المقصود منه،…. وأنه أمر عار عن الصحة ولا أساس له”.

وبالمحصلة،فأمام هذه المعطيات،لايمكن للدستوريين إلا أن يتساءلوا: ألا يعتبر عبيابة جزءا من الأزمة التنظيمية التي يعرفها الحزب اليوم؟ لماذا يسعى عبيابة  إلى اختزال عملية التغيير داخل الحزب في شخصه فقط؟أليس حزب المعطي بوعبيد أكبر من ذلك بكثير؟ ألا يثير تقارب عبيابة مع البيجيدي،وخصومة عبيابة والبيجيدي مع التجمع الوطني للأحرار الكثير من الشك والريبة بخصوص ما يجري حاليا من “حراك’ بقيادة عبيابة،حسبما يحلو للصحافة تسميته وفق مصادرها الموثوقة والمقربة منه؟ألا يعتبر الصمت الذي لزمه  عبيابة بصفته ناطقا رسميا باسم حزبه مدعاة للحيرة لدى الدستوريين الغيورين على حزبهم،والمعتزين بماضيه،والمتطلعين لمسقبل مشرف له؟ألا يمكن للدستوريين أن يتساءلوا عن الأهداف الخفية التي تجعل عبيابة يتموقع إلى جانب حزب، ويعادي حزبا آخر دون الرجوع لمؤسسات حزبه؟؛هي أسئلة كثيرة أكيد أن الدستوريين قادرون على فك ألغازها،لما عرف عنهم من كفاءة سياسية وحس نقدي.

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق