منبر القراء

“كورونا”.. دُرُوسٌ وعِِبرْ

ذ. محمد البوبسي

بروكسيل – بلجيكا

 

هل كان من الضروري أن تمر الإنسانية بالأزمات والكوارث المدمرة التي تقتل البشر وتهدد وجوده على هذه الأرض، كالحروب والأوبئة، لتستفيق من غفوتها وبلادتها من أن الإنسان هو مركز هذا الكون وهو المحرك واللاعب الرئيس في “لعبة” الوجود؛ بفضل ذكائه وقدرته على التأثير وقلب الموازين أكثر من الحيوانات بكل ألوانها والجمادات بكل تفاعلاتها وتحولاتها الفيزيوكمياوية؟ حقا ذاكرة الإنسان قصيرة جدا، وأقصر مما يمكن أن نتخيل، عودة قصيرة إلى التاريخ الماضي القريب، وبالتحديد في النصف الأول من القرن العشرين شهدت البشرية حربين عالميتين مدمرتين للانسان وللبنيان وللحيوان… كان لا بد أن نرى بأم أعيننا جثثا بشرية لا فارق بين الجندي والمدني بين الراشد والطفل والمسن وبين الرجال والنساء في الشوارع تحت وفوق انقاض المنازل والبنايات المدمرة عن آخرها في مدن أشباح يخيم عليها سكون بلون الموت الرهيب لا لون له سوى رائحة الأشلاء المتناثرة هنا وهناك؛ كان لابد من الغباء ان نمر بهذا المشهد الدراماتيكي المروع لنستفيق ونستوعب حجم المأسات في فقدان ملايين من البشر لا لشيء سوى لتلبية نزوات بشرية عابرة ورغبات انانية شريرة، لنبكي ونعلن عن الندم والحسرة ثم الإعتذار والتعهد بعدم تكرار هذه المأساة.

حقا بعدها قامت الشعوب وخاصة الأوروبية منها بثورة تصحيحية شاملة ظهرت فيها طبقة سياسية متنورة بلورت مشاريع مبنية، إلى حد ما، على العدالة الاجتماعية وحقوق الأفراد والجماعات جعلت من الإنسان في حد ذاته مادة استثماراتها حيث قوت وعززت كل القطاعات الحيوية التي تحيط به من تعليم وصحة وقضاء… وبعد فترة وجيزة ازدهر المجتمع وعم الرخاء وسادت قيم المساواة وروح التضامن بخلق صندوق المساعدات الاجتماعية وغيرها تصب في صالح الفرد والجماعة. في نفس الوقت كانت شعوب المستعمرات تتخبط وما تزال تحت وطأة الفقر والتخلف نتيجة اختيارات خاطئة همشت قيمة الإنسان بكونه المحرك الأساس لعجلة التنمية الشاملة.

لكن رغم هذه الطفرة التنموية النوعية التي شهدتها أوروبا لعقود من الزمن في جميع الميادين سرعان ما فتئت تتآكل شيئا فشيئا مع مرور الزمن نتيجة تنامي توجهات سياسية أنتجتها الشركات المتعددة الجنسيات التي كان هدفها الأساس هو الربح السريع وتكديس الأموال وليس الإنسان، كان من نتائجه بروز مظاهر الهشاشة في المجتمع في تراجع خطير للحقوق والمكتسبات وتنامي التيارات العنصرية الراديكالية تجاه الاجانب والمهاجرين مما جعل الشك يحل محل اليقين والخوف محل الأمان لتظهر جائحة الكورونا لتعري وتكشف عن هذه الاختلالات والتناقضات الخطيرة.

فيروس الكورونا “coronavirus” حصد وما يزال يحصد الآلاف من الأرواح البشرية في كل أنحاء العالم.

لم تأت “الكورونا” “coronavirus” سلاحا تقليديا ولا عدوا واضحا للعيان، الأيام وحدها سوف تبين لنا حقيقة إن كان وباء طبيعيا أو فيروسا معدلا، بل اتت موتا خفيا يهدد البشرية جمعاء لا تفرق بين الغني والفقير ولا بين الحاكم والمحكوم ولا بين شعوب الشمال والجنوب فرضت حجرا صحيا على كل شعوب العالم شلت فيه الحركة وتعطلت المصالح وأغلقت الدول حدودها برا وجوا وبحرا الساعة توقفت والقلوب وجلت والأفكار تشتت الأيديولوجيات والديماغوجيات اختفت، ولو إلى حين، فقط ظل التفكير مركزا حول الخروج من هذه المحنة بأقل الخسائر في الأرواح.

لم تعد الأولوية للاقتصاد بل لإنقاذ الأرواح انتصارا للحياة وللحياة فقط ؛ عبر عنها رئيس وزراء إيطاليا، حين بدأت لائحة الأموات ترتفع بشكل مهول تحت خذلان إن لم نقل خيانة الاتحاد الأوروبي تجاه إيطاليا العضو المؤسس لهذا الكيان، حيث قال في ما معناه: ” ان الشعب الإيطالي ضحى دائما من أجل بلده إيطاليا وقد حان الوقت لدولة إيطاليا أن تضحي من أجل شعبها ” يعني إقرار الحجر الصحي الشامل مع تعويضات كاملة للشعب الإيطالي مضحيا بمستقبل إيطاليا الاقتصادي والاستراتيجي على المدى البعيد من اجل الإنسان والإنسان فقط، كانت البطولة – في خضم هذه الازمة – فيه للعلم والعلماء الذين لطالما لم نؤتيهم حقهم ومكانتهم المستحقة في زمن الرداءة والبؤس الفكري والعقلية الاستهلاكية البسيطة والبهرجة الرخيصة.. طبيبات واطباء ممرضات وممرضون المئات ضحوا بحياتهم من أجل إنقاذ المصابين -ملائكة الأرض- وآخرون من نساء ورجال يشتغلون في الظل وفي جميع القطاعات الحيوية- التعليم،الامن،التغذية….- لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ستلقن “الكورونا” “coronavirus”، -رغم المأساة- درسا هاما للبشرية جمعاء، وهو أننا نحن شعوب العالم، رغم اختلاف اللغة والدين واللون.. وتنوع الجغرافيا والتاريخ..، نعيش فوق هذه الأرض الجميلة التي تحتضننا لا فرق بين شمال وجنوب ولا بين شرق وغرب كلنا بشر وأبونا آدم وحياة الإنسان خط أحمر، لا سيما وأرضنا مهددة بالتصحر في الجنوب وذوبان الكثل الجليدية في الشمال؛ وكل شعار يدعو للمحافظة على البيئة لم يكن فيه الإنسان هو مركز الاهتمام هو شعار ناقص لأن الإنسان فاعل رئيس؛حيث لا يمكننا أن نحقق توازن بيئي ناجح إلا عبر تربية حقيقة للناشئة بتقوية قطاع التربية والتعليم الذي يقوم بتكوين نساء ورجال سيسهرون على تربية وصحة وأمن الشعوب لأن ” على هذه الأرض ما يستحق الحياة” بتعبير الشاعرمحمود درويش.

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق