الرأيميزان لكلام

أزمة “كورونا”.. فرصة لإعادة الحسابات

فؤاد السعدي

ميزان لكلام

 

يبدو أن المنظومة الغربية التي اعتمدت حرية الحركة، وحرية الاستثمار، والبحث عن الأسواق، ستنتبه لا محال بعد “أزمة كورونا” إلى أن وحدة التحليل الأساسية التي اعتمدتها لحقب عدة ليست الربح والفائدة، والمضاربة في السوق المالية فقط، بل هي الإنسان، المجموعة البشرية، والمجتمعات أينما كانت. فما نشاهده اليوم هو تذكير حقيقي بأن تقدمنا العلمي، وتقدمنا في تبني هذه الأنظمة الاقتصادية لن يخرجنا من هجمة فيروس غير مرئي استطاع أن يوصل دول المعمور إلى لحظة سكون واستكانة وتسليم بالأمر الواقع، أصبح العالم الآن في حجر صحي ممتد في الزمان والمكان، تأتي بعده لحظة ضياع ومتاهة اقتصادية وسياسية لم يسبق لها مثيل. وأنه عندما يصحو على حقيقة ما حدث بجب أن يعمل على ضرورة إيجاد نسق سياسي واقتصادي جديد يتجاوز المرحلة الليبرالية الجديدة، ويتجاوز أيضا كل تلك الصراعات الجيوسترايجية بين الشرق والغرب يبدأ بالاهتمام بالإنسان، وينتهي بحماية هذا الإنسان من كل ما من شأنه أن يهدد وجوده واستقراره على هذه الأرض.

ولعل حضارة القرن 21 ، وما صاحبتها من تفاعلات وتطاحنات سواء خلال الحرب الباردة، أو ما حدث منذ انهيار جدار برلين كان مؤشر أقنع البعض أن لديه أفضل نظام أو أفضل تركيبة جيوسياسية اقتصادية، حتى حل هذا الوباء الذي يهدد البشرية ويضعنا أمام حقيقة صادمة وهي أن الإنسانية لم تحضر نفسها لهذه اللحظة،  وأن كل من كان يعتقد بأن لكل دولة استقلالها السيادي، وتمتلك آلياتها العلمية قد نضعها في الحسبان إذا احتجنا لها قد تبخر وسار غب خبر كان.

فأزمة كورونا لابد أن تلغي كل السجالات، وكل الاختلافات المذهبية قبل الاختلافات السياسية والاقتصادية، وتركز التفكير  على عنصر الإنسان تماما كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف الالماني “إمانويل كانت”  عندما حث على ضرورة العودة إلى القانون الطبيعي، والى القيم الإنسانية، وأن البراغماتية التي نحتاجها اليوم يجب أن ترتكز على حماية الفرد والمجتمع سواء من أعراض هذه الأوبئة، أو من مخاطر أخرى قد تحدق بالإنسانية في أي لحظة. لذلك فلا النظام الرأسمالي، ولا النظام الاشتراكي، ولا النظام الشيوعي ولا  حتى الأنظمة ما بين العالم ثلاثية تستطيع الآن أن تلوح أمام غيرها على أنها القادرة على احتواء هذه الأزمة، وحتى معركة العلاقة العامة وكسب الرأي العام العالمي التي تقوم بها الصين تجاه دول أوروبية اليوم غير كافية للحكم على النويا والتأكد من أن بكين قد تكون هي المهد الذي تنبعث منه أولى صيحات الأمل.

الأزمة اليوم تتجاوز الصين، وتتجاوز الغرب، وتتجاوز كل هذه الروايات المتداولة في الإعلام، لأنه ببساطة ليس هناك مجتمع دولي قادر على أن يتعاون خصوصا عندما رأينا كيف أدارت أوربا ظهرها لإيطاليا وتخلى عنها اتحاد كنا نعتقد أنه من امتن وأقوى الاتحادات في العالم،  لذلك فالفشل اليوم ليس فشل الاتحاد الأوربي فحسب، بل هو فشل عالمي، فشل كل المنظومات أيا كانت، لا في ترقب الفيروس ولا في احتوائه والسيطرة عليه. فلم يسبق في تاريخ البشرية أن وجدت الاقتصاديات الدولية نفسها في حالة موت سريري، وهو ما يرعب الخبراء الاقتصاديين خصوصا مع تواجد هذه الاقتصادات أمام مهلة مفتوحة لا يعلم احد متى ستعاد حركتها وانتعاشها، فعدم اليقين بمدة انجلاء هذه الجائحة هو اليوم اكبر خصم للاقتصاد أينما كان.

فإذا كانت بعض الدول ذات الموارد الذاتية قد خصصت مبالغ مهمة لاحتواء الخسارة الاقتصادية، وإعطاء شحنة قوية لإعادة محرك السيارة إلى العمل من جديد، ولو عبر منحه جرعة “اسبيرين” لتخفيف من حدة الصداع الاقتصادي  وحمايته من السكتة القلبية، ماذا سيكون وقع هذه الأزمة على اقتصاديات دول الكفاف كالمغرب الذي لا يستطيع ضخ الكثير من مليارات الدولارات في صندوق الدعم للتخفيف من تداعيات جائحة “كورونا”  خصوصا إذا علمنا أن  اقتصاده في الأصل مثقل بارتفاع معدلات البطالة، وبضعف القدرة الشرائية، وتأكل الطبقة المتوسطة؟ فمن المؤكد أن الوضع ما بعد الجائحة سيكون أصعب مما عليه أثنائها، وسيكون المغرب لا محال الضحية الأكبر  في هذه الأزمة بسبب عدم قدرته على احتواء الوباء صحيا، وعدم الحد من الخسارة اقتصاديا، وعدم القدرة على خلق رؤية استشرافية لما بعد خمود عاصفة فيروس “كورونا” وهو ما سيجعله يعاني الكثير خصوصا وأنه يعتمد على عائدات الزراعة وعائدة السياحة والمهاجرين المقيمين بالخارج. ولعها الفرصة أمامه ليعيد حساباته، ويعيد ترتيب أوليته وسياساته الاقتصادية من خلال التوزيع العادل للثروة، والقضاء على الفساد والتفعيل الجدي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فاقتصاد المغرب ليس بالهش كما نعتقد، بل يحتاج  فقط إلى تدبير  عقلاني يحتوي منسوبا عاليا من الحكامة والمواطنة..

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق