الرأيميزان لكلام

“صفقة الخيانة والعار”.. حقيقة أم مزايدات نقابية بئيسة

فؤاد السعدي

مِيزانْ لكلامْ

 

 

في الوقت الذي تتكاثف فيه مجهودات الدولة، وتسعي الجهات الرسمية إلى أداء واجبها على مستوى عالٍ من المسؤولية والشفافية من خلال الإعلان عن المستجدات والإجراءات المتخذة حيال جائحة “كورونا”، لا بأس أي يطرح كل منا على نفسه السؤال التالي: ما هو دوري الآن، وماذا يجب علي القيام به؟ لأنه في ظل أزمة كالتي يعيشها العالم اليوم، والمتمثلة في  تفشي حالات الإصابة بوباء “كوفيد 19″، لا تقع المسؤولية على عاتق الدولة بكل أجهزتها فحسب، بل يجب أن تتعاضد كافة الجهود لحين تجاوز المحنة.

وإذا كانت مجهودات الدولة معروفة، وتُبذل على قدرٍ عالٍ من الجودة والفاعلية والمسؤولية، فإن الجهود الجهات غير الرسمية من مجتمع مدني وأفراد لا تزال مبهمة وعشوائية وغير ذات فعالية، وتحتاج لقدر كبير من التعقل وضبط النفس والتريث، أمام وضع غير طبيعي، يتخلله الكثير من الهلع والرعب.

فأزمة “كورونا” استثنائية بكل المقاييس وليس لها سوابق، والإجراءات المتخذة ربما تصيب البعض بفقدان الصبر، أو حتى عدم القدرة على تقيم الأوضاع، وهو ما قد يدفع إلى تصرفات عصبية، وردود أفعال غير مدروسة. والواجب في مثل هذه الظروف يجب التحلي بضبط النفس، وبحس المواطنة، والتعامل مع الأشياء بعقلانية وحزم ومسؤولية بعيدا عن المزايدات، وعن منطق تصفية الحسابات، والضرب تحت الحزام، حتى يمكن السيطرة على الموقف، وحتى لا تخرج الأمور عن سياقاتها، ونصل إلى ما لا يحمد عقباه.

الحديث هنا عن بيان تنديدي أصدره المكتب الإقليمي للجامعة الوطنية لقطاع الصحة بفاس تحت عنوان “صفقة الخيانة والعار”، حيث عرض واقعة صفقة مواد صيدلانية مواجهة لحماية الأطر الصحية تتضمن مواد معقمة ومطهرة لم يتم فيها احترام أدنى المعايير القانونية والصحية، الأمر الذي يعرض أرواح الأطر الصحية بمستشفى الغساني بفاس لخطر مباشر بحسب ما جاء في البيان.  وأعتبر المكتب النقابي هذه الواقعة بمثابة استهتار بحياة الأطر الصحية، وجناية في حق الوطن، وعبثا بأرواح مهنيي قطاع الصحة. وهذا ما لا يجرى أي مسؤول على الإقدام عليه في هذه الظروف الصعبة، فكيف مع مدير راكم تجربة كبيرة في مجال التسيير والتدبير بالمديرية الجهوية للصحة بفاس مكناس، أن يسمح لنفسه السقوط في زلة مثل هاته، ويرتكب خرقا أثناء إبرامه لصفقة لا يتجاوز غلافها المالي 80 مليون سنتيم، وهو الذي يُدبِر مرفقا عموميا تقدر ميزانية تسييره بملايير السنتيمات. ليس هذا فحسب، بل ذهبت النقابة إلى حد اعتبار المعقم أو المطهر موضوع الجدل لا تتوفر فيه المعايير القانونية والصحية، بمعنى أنها قامت بالتحريات القانونية وبالاختبارات اللازمة وثبت لها أنه غير صالح للاستعمال. والسؤال هنا، لماذا لم ينشر المكتب النقابي فاضح هذه الصفقة نتائج هذه الاختبارات إعمالا لمبدأ الشفافية وتنويرا للرأي العام؟ أم هي فقط جعجعة في فنجان، ورمي الناس باتهامات لا أساس لها من الصحة إثارة البلبلة في صفوف الأطباء والممرضين، باستغلال حالة الطوارئ لتصفية الحسابات مع رجل استعصى إخضاعه و لوي ذرعه في الظروف العادية. فهل يعي المكتب الإقليمي للجامعة الوطنية لقطاع الصحة بفاس أن توجيهه لمثل هذه الاتهامات الخطيرة فإنه لا يمس فقط بسمعة المدير الجهوي، أو وزارة الصحة عامة، بل حتى بسمعة الشركة المنتجة عندما زعم بأن المعقم والمطهر موضوع الصفقة فاسد، وهو ما قد يعرضه لمتابعات قضائية تتعلق بالتشهير، أضف إلى ذلك أن مثل هذه الممارسات من شأنها أن تهوي بالعمل النقابي إلى الحضيض، خصوصا إذا علمنا أن نقابات أخرى تنتحل الفرصة للانقضاض عملا بالمقولة “إيلا طاحت البقرة كيكتر الجناوا”، فمتى ينتهي العمل النقابي من منطق الكولسة والقولبة ووهم الدفاع الحقيقي عن مصالح الشغيلة، ويرقى إلى قيم المواطنة المسؤولة والنضال النظيف؟

صحيح أن المدير الجهوي للصحة بجهة فاس مكناس يدفع ضريبة الحزم والصرامة اللذين طبعا تسييره للمديرية لسنوات، ولكن وللأمانة أبانت واقعة “المعقم” عن ضعف كبير، وعشوائية في تعاطي المكتب النقابي بفاس مع مثل هذه القضايا، وغياب الحس الوطني ورح المسؤولية لذيه، كما كشفت أيضا عن نية هذا الأخير استغلال هذه الظروف للانتقام من مسؤول حتى ولو لم نكن نتفق معه في الكثير من القرارات، إلا أنه أبان عن حس وطني عالي ومهنية كبيرة في التعاطي مع جائحة “كوفيد-19” على مستوى الجهة.

ويكفي أن الرجل كان وراء العديد من قرارات الإعفاء سواء في حق المسؤولين المحليين ممن ثبت في حقهم التقصير أو الإخلال في التدبير، كقرار إعفاء مدير مستشفى محمد الخامس بمكناس، بعد معاينته للعديد من الاختلالات على مستوى تدبير هذه المؤسسة الاستشفائية، وكيف أن أنه اصطدم بمشهد فضيع أثناء زيارته للمستشفى، عندما رأى أحد المرتفقين كان مدرجا في دمائه ينتظر دوره لسحب ورقة العلاج في الوقت الذي من المفروض أن يكون في قسم المستعجلات لتلاقي العلاجات، ليس هذا فحسب، بل أثناء قيامه بجولة تفقدية بأقسام المستشفى لفت انتباهه الكم الهائل من المتدربات، وعندما قام بالاستفسار عن وضعيتهم القانونية داخل المستشفى، تبين له أن أغلبيتهن لا يتوفرن على وثائق تمكنهن من متابعة تدريبهن بشكل قانوني، مما يفيد أن المرفق كان يدبر بشكل فوضوي وعشوائي وعبثي يغلب عليه منطق المحاباة وأشياء أخرى سنعود إليها في حينها..

 

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق