أخبار منوعة

تداعيات كوفيد 19.. بُغض واشنطن لبكين ليس من السياسة في شيء

الحاج ساسيوي

أستاذ التعليم العالي وعضو المنتدى الأروبي للوسطية ببروكسيل

 

خلال الحروب البلقانية في التسعينيات من القرن الماضي، اجتمع  كبار مسؤولي  غرفة العمليات بالبيت الأبيض، و اقترحوا قصف صربيا انتقامًا من ديكتاتورها  “سلوبودان ميلوسيفيتش”. فلما عرض هذا المقترح على الممثل العسكري الأمريكي خلال الاجتماع المنعقد  من أجل إبداء رأيه والبث فيه؛ أجاب بسؤال: “وماذا بعد ذلك (القصف)؟”

يؤكد باحثون على أنه يجب ربط السياسة والإستراتيجية بالإجابة على هذا السؤال في إطار علاقات القوى العظمى ، خاصة عندما يكون بلد ما، قادر على التأثير في الوضع الداخلي لبلد آخر ؛ والذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية. وفي هذا السياق فإن قوانين “نيوتن” تنطبق على السياسة الخارجية وقضايا الأمن القومي : كل فعل يؤدي إلى رد فعل متساو ومعاكس.  ويجزم آخرون  بأن الصين أساءت التصرف بشكل واضح في عدم إبداء الشفافية مع بقية العالم حول ما كان يحدث في “ووهان”. وعلى الرغم من هذا الإدعاء؛فالراجح أنه في الوقت الذي بدت فيه الصين وكأنها تقوم بالتعتيم على تفشي المرض خلال شهر ديسمبر ، فمن المحتمل أيضًا أن وكالات الصحة والأمن الصينية تفاجأت من هول ما يحدث في مقاطعة “هوبي”.

تسبب الفيروس التاجي الجديد الذي ظهر في أواخر عام 2019 في “مذبحة/كارثة”، ستبقى راسخة  في الذاكرة الجماعية العالمية  لعدة عقود.  و سيحدث الوباء في بعض البلدان تغييرات مهمة في العادات والأعراف الاجتماعية ؛ويعتقد المهتمون أنه  سيؤدي في بلدان أخرى  إلى حدوث اضطرابات سياسية، إذ سيقيم المواطنون مدى قدرة استجابة حكوماتهم في التعاطي مع هذه الجائحة. لقد تكبدت الولايات المتحدة خسائر فادحة في الأرواح وفي الاقتصاد،نتيجة “شرود” قيادتها إبان مواجهتها للوباء. ومن الواضح أن الصينيين كانوا يتابعون هذه التطورات عن كثب.

يدعي باحثون أنه ليس من المستغرب ، وليس للمرة الأولى ، أن تركز إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على العثور على شخص يقع عليه اللوم. فهذا هو ردها “الغريزي” على كل مشكلة تواجهها. وفي هذه الحالة ، فإن الصين  بكل آلامها ، هي الخيار المفضل. والسؤال الملح طبعا، هو: كيف سترد الصين؟.

يعتقد بعض المحللين أنه خلال العقود الأخيرة ، لم تدر الصين  علاقاتها الدولية بشكل جيد على الرغم من أن الوضع الدولي ساعدها على تحقيق نسب نمو سريعة،ومكنها من الحصول على مركز مرموق لدى مجموعة كبيرة من المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية. وعلى أمل أن تستفيد الصين وتحقق مصالحها، عليها بالموازاة أن تعمل على الإلتزام  بالمسؤولة في النظام الدولي .ويضيف هؤلاء المحللون  أن  كل  هذه الآمال تحطمت مرارًا وتكرارًا حيث اتبعت الصين ، من بين تجاوزات أخرى ، ممارسات تجارية عدوانية شملت التسعير “المفترس” و”ابتزاز” الملكية الفكرية ،إلى درجة أن النظام التجاري العالمي كان “صبورًا” بشكل مفرط في منحها الوقت الكافي  وفرصا لإصلاح ذاتها.

لاحظ محللون أن الصعود الصيني  عانى من سوء التوقيت؛إذ تزامن  مع زيادة الأتمتة(التشغيل الأوتوماتيكي) التي وظفها شركاؤه؛والذين لم يتورعوا في إلقاء اللوم عليه ، عوض اعتبارها نتيجة حتمية لتبعات توظيف التكنولوجيا ، في فقدان الوظائف الضرورية. كان بإمكان الصين أن تجعل نموها يتميز  بالاستدامة السياسية والاجتماعية ، سواء من خلال تحسين ظروف عمل المصانع ، أو الدفاع عن المستهلك ، أو حماية البيئة ، أو تدابير التحرير العامة ، لكنها لم تفعل شيئًا من ذلك؛ حتى أن حملة مكافحة الفساد ، التي روجت لها محليا ولقيت دعما من الجماهير المحبطة ، بدت فاشلة عندما بدأت الاتهامات وتصفية الحسابات الضيقة تتم بين السياسيين داخل شبكة النظام الشيوعي. وهو الأمر الذي مس ببريق النموذج الصيني ، على الرغم من المكاسب غير العادية التي تم تحقيقها،من قبيل انتشال مئات الملايين من الفقر.

يجزم المتخصصون أن الصينيين يتمتعون بسمعة تفكير استشرافية ، وما يرونه(الصينيون) في المستقبل هو عالم يشكك في بلدهم بشكل متزايد: عالم يريد ، في البداية ، تقصير خطوط إمداده ، حتى لا يضطر إلى تقديم طلبات في الخارج للسلع التي تشتد الحاجة إليها، مثل معدات الحماية الشخصية (PPE). لقد برزت أصوات معارضة للصين – في مقدمتهم زعماء من داخل البيت الأبيض – ينادون بضرورة  “الانفصال” عن الاقتصاد الصيني كحل للمعضلات الاقتصادية للولايات المتحدة ، كما لو كان علاج التحول الاقتصادي هو تقليص التجارة مع واحدة من أكبر مراكز التصنيع في العالم. واليوم ، لدى هذا الحلم فرصة ليصبح حقيقة جزئية على الأقل ، حيث أن الوباء أدى إلى توسيع نطاق الاحتياجات الاستراتيجية، وأضعف الحجج المتعلقة بالتجارة الحرة.

تداركت الصين هذه المشاعر الشائعة – على نطاق واسع- بين شركائها التجاريين؛  وهي تعلم أن الوباء قد يجعلها أقرب إلى تحقيق مبتغاها؛ وأنها قادرة على تسنم مكانة تؤهلها للظهور بصفتها “صاحبة مصلحة ،وزعيمة في النظام الدولي”. في غضون أسابيع من تفشي الوباء ، بدأت الدولة الصينية في إرسال منتجات ومعدات الوقاية الشخصية إلى الكثير من الدول بمختلف القارات، كما لو أنها تثبت أنها مورد موثوق به للسلع المصنعة.

ولكن  جهود الصين – حسب المهتمين- لتأكيد دورها كقوة صناعية يمكن الاعتماد عليها، بدت ضعيفة واتسمت بالبطئ. ويجب استحضار ما تبذله  إدارة “ترامب” “المشاكسة والعنيدة”  من جهود كثيرة لمضايقة الصين. ولذلك قوبلت جهودها (الصين) أثناء تزويدها للعديد من البلدان بمعدات الوقاية الشخصية بالريبة والشك في بعض الأوساط، باعتبارها محاولة جديدة لكسب التفوق، وتوسيع نفوذها “الخبيث والشرير” في العالم. ولهذا فإن التشكيك في هذا العرض الخاص بتزويد معدات المستشفيات،هو بمثابة شهادة على ضعف النظام الدولي الذي تسببت فيه إدارة “ترامب” في السياسة الخارجية غير المنسجمة والمتدنية. إن الخوف من الصين وبغضها لايمكن تبنيه بديلاً عن الثقة بالنفس، وكذا عن العمل على وحدة الهدف في التعامل معها. تحتاج السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد “ترامب” ووزير خارجيته “المشاكس” “مايك بومبيو”  إلى توسيع التحالفات، وصياغة سياسة فعالة أكثر من مجرد الدعاية ل”الخوف” من خلال نسبة دوافع خبيثة إلى دولة تحاول على الأرجح حماية ما لديها. لقد بذلت الإدارة القليل من الجهد لرسم خارطة طريق للتعامل مع الصين،هذه الأخيرة  التي لن تختفي أو تستسلم لإملاءات من الولايات المتحدة.

قامت الولايات المتحدة ذات مرة ببناء نظام دولي أكد الجميع على زعامتها له. لكن في الآونة الأخيرة ، غيرت وظائفها- حسب ملاحظين- فانتقلت من مهمة كبير المهندسين المعماريين والبناء إلى رئيس الحرق العمد. ويبدو- حسبهم- أن واشنطن تريد حرق الصرح بأكمله. ولكن إذا استأنفت الولايات المتحدة بدلاً من ذلك دورها القيادي وأبانت عن حسن نواياها اتجاه الصين ، فيمكنها المساعدة في تشكيل البيئة العالمية التي يجب على القيادة الصينية المساهمة في بناءها.

ويجزم بعض المهتمين أن ما ستبدو عليه الصين في المستقبل سيكون متروكًا للصينيين،وسيكون بإمكانهم تحديد الدور الذي يعتقدون أنه مستدام لأنفسهم في العالم. ومع ذلك ، يجب على الولايات المتحدة التفكير في سياسة تجاه الصين تكون عملية ومستدامة في حد ذاتها. هل تسعى الولايات المتحدة حقاً إلى عداوة دائمة مع الصين؟ هل يصب هذا في المصلحة الأمريكية؟ قد يسأل أي شخص زار سور الصين العظيم ، هل نريد حقًا الدخول في قتال مع أناس قاموا ببناء شيء من هذا القبيل؟

إن التصرفات الأمريكية – حسب باحثين- في الآونة الأخيرة لها مايبررها ، وبالتأكيد فسخطها قد يبدو مشروعا؛ لكن إلى أين يقود هذا الموقف؟ ما الذي تأمل واشنطن أن تستفيد منه؟ تشير إدارة الولايات المتحدة “الخرقاء” في كثير من الأحيان إلى العلاقات الثنائية في شرق آسيا (تتبادر إلى الذهن شبه الجزيرة الكورية)،متجاهلة الدور الصيني، إلا أن سياستها هاته ستمنح هذا الأخير وضعية الهيمنة الإقليمية.

ويخلص أحد المحللين إلى أن بُغض الصين لايمكن أن يشكل بديلا عن السياسة؛فالصين تفكر في المستقبل، لذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى الهدوء وتسأل نفسها عما تريده بعد ذلك منها، وكيفية الحصول عليه.

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق