الرأيميزان لكلام

فؤاد السعدي يكتب.. سعادة “المخزني”..

فؤاد السعدي

ميزانْ لكلامْ

 

اُهين القاضي.. سُحل القاضي.. تَنازل القاضي لأسباب مجهولة، فأُخلي سبيل المعتديان، هي باختصار قصة نائب وكيل الملك تعرض لاعتداءٍ لفظي وجسدي جسيم على يد عنصرين من القوات المساعدة ممن أوكلت لهما مهمة حماية سلامة الناس، لتتحول هذه الحماية إلى أذىً وإساءة وشطط في استعمال السلطة. الواقعة التي دارت أطوارها بمدينة طنجة، واستأثرت باهتمام الرأي العام انتهت في الأخير بتنازل قاضي النيابة العامة عن حقه لاسباب نجهلها بعد أن تَجرع طعم الإهانة ليقر على التنازل مقابل نقل المعتديان لكل من بوعرفة وميسور في إطار إجراء عقاب إداري، في محاولة لحفظ الملف وردمه في التراب حتى لا تنكشف تفاصيله، ولو أن واقع الحال في كل ما جرى يوحي بألا عدالة منتظرة من وراء قيود الحديد، ولا ثمرة حقٍ يمكن أن نجنيها من تكميم الأفواه، وأن ما تعرض له الجسم القضائي هو مس حقيقي بالكرامةـ وبداية وهن العدالة ستكون له لا محال تبعات خطيرة ستؤثر على قيام القضاة بدورهم في توفير الأمن القضائي للمواطن.

واقعة الاعتداء التي أحدثت رجة في صفوف قضاة النيابة العامة أعادت إلى الواجهة موضوع صراع السلطة التنفيذية والنظام القضائي، وأماطت اللثام على حقيقة صادمة ألا وهي الرغبة في إخضاع القضاء وإسقاطه، ومحاولة الإدارة تطويعه وفرض الوصاية عليه، وبالتالي فليس صدفة، إذًا، أن يحظى القضاء بمكانة خاصة في الأنظمة الديمقراطية، وليس غريبـًا أن يكون في وضع استصغار في البلاد التي تعذر عليها استنبات ديمقراطية حقيقة في مؤسساتها، وبقدر وجود ضمانات سياسية ودستورية ومؤسسية تحفظ للقضاء استقلاله ونزاهته وقدرته على أداء مهامه بعيدًا عن مصادر الضغط والتدخل، بقدر ما تكون الطريق نحو الديمقراطية معبدة وبلا مخاطر. المهم هو الإدراك على أن إقامة العدالة مرهون بمواجهة صريحة مع إرث الفساد ومع تركة الإستبداد.

في المغرب، تبدو الصورة بالغة التعقيد والتشويش، بما يحتاج إلى إعادة ضبطها، لترسيخ مبدأ سيادة القانون ومفهوم استقلال القضاء، ومعنى الفصل بين السلط، لان الصلاحيات الواسعة الممنوحة للسلطة التنفيذية اليوم على حساب السلطة القضائية، هو ما يفتح المجال أمام إجراءات تعسفية في حق المواطنين، وهي ما أدت في نهاية المطاف إلى تطاول عنصري القوات المساعدة على نائب وكيل الملك، ولن نتحدث هنا عن ظروف وملابسات القضية، ولا عن مآلها، ولكن سنسلط الضوء على الأسباب التي ساعدت في وقوعها.

وفي البداية دعونا نتفق على شيء أساسي هو أن القانون كان واضحا فيما يخص مقتضيات خرق حالة الطوارئ الصحية من قبل المواطنين، بحيث لا تشير أحكام المرسوم قانون رقم 2.20.292 المتعلق بـسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها إلى استعمال القوة، بل الغرامة والسجن في حالات محددة، لكن قد تلجأ القوات العمومية لاستخدام القوة، وذلك في حالة امتناع أي شخص عن تنفيذ هذه المقتضيات بعد تنبيهه، أو في حالة مقاومته لأوامر هذه القوات في نطاق ما يبيح لها القانون، بمعنى أدق استعمال القوة يجب أن يتناسب مع  درجة مقاومة الشخص الرافض للانصياع لهذه الأوامر، وهو الأمر الذي للأسف لم يحترم في واقعة الاعتداء على نائب وكيل الملك بحيث لم نلاحظ أي مقاومة من طرفه، ولا أي سعي منه للاشتباك مع “المخازنية”، مما يجعل مسألة الاعتداء عليه تصرف يندرج في إطار الشطط في استعمال السلطة، ويرقى في حالات إلى مرتبة الانتهاك للحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

    وهنا نرد على أولئك الذين برروا أفعال وتصرفات وسلوكيات عنصري القوات المساعدة بذريعة خطورة اللحظة وكون فعل عدم احترام الحجر يهدد حياة كل المغاربة، بأن المرسوم المنظم لحالة الطوارئ الصحية كان واضحا في هذا الباب على اعتبار  أن الوضع ليس حالة استثناء، وحتى حالة الاستثناء التي تحدث الدستور عن تجميد عمل بعض المؤسسات، لا تبيح استهداف الحقوق والحريات، وأن كل تجاوز للضوابط التي حددها القانون مرفوضة تماما، مما يعني أن توقيع الجزاء في حق “المخازنية” في هذه النازلة بات ضرورة ملحة وحق عام لأن الفعل المرتكب  يدخل في خانة “الجريمة”  التي تخل باستقرار المجتمع وأمنه وسلامته حتى ولو تنازل المتضرر عن حقه الخاص. وأن أي حديث عن تنقيل “المخازنية” أو حرمانهما من الترقية لمدة 10 سنوات ما هو فقط إلا التفاف على القانون لتفادي وقوع عنصري القوات المساعدة في خانة “الجناة”، غير هذا لماذا سارعت المفتشية العامة للقوات المساعدة لمعاقبة عنصريها قبل أن تقول العدالة كلمتها؟ ألا يعد هذا إقرارا  ضمنيا من هذه الأخيرة بالفعل الجرمي لعنصريها في حق نائب وكيل الملك؟

    وهنا لا يجوز أن يشمل الجزاء “المخازنية وحدهما، بل حتى من أمر بوضعهما على رأس السد الأمني وهما لا يتوفران على الصفة الضبطية التي تمكنهما من مباشرة إجراءات تفتيش المارة أو توقيفهم أو اعتقالهم، ليتضح بما لا يضع مجالا للشك ودرجة الاستهتار وأوج العبث التي تتخبط فيها السلطة، وكيف تجرأت على ترك عناصر لقوات وُجدت فقط لتكون مساعدة وجها لوجه مع المواطنين رغم علمها بأن ذلك مخالف للقانون.

وهي مناسبة نسلط من خلالها الضوء على هذا الجهاز الأمني وعلى فلسفة اشتغاله، فبالرغم من أنه يخضع لوصاية وزارة الداخلية إلا أنه قد يوجد على مقربة من الأمن الوطني والدرك الملكي والوقاية المدنية في إطار المساعدة لا غير، بمعنى “جوكير”، ولعل هذا ما يجعل وظيفته أكثر التباسا وأكثر غموضا وضبابية، وهو ما يجعلنا أيضا نطرح السؤال التالي، لماذا تقوم القيامة في كل صراع يكون أحد أطرافه عنصر من عناصر القوات المساعدة، وتتحرك هواتف المسؤولين في إشارة إلى قضية وكيل الملك بطنجة وعامل شفشاون الذي أمر باحتجاز رئيس “المخازنية” بسيارة الشرطة بعد خلاف بينهما؟ أليس في الأمر شيء من حتى؟ لماذا لا يتم الاحتكام إلى القانون في مثل هذه القضايا؟ لماذا يحظى هذا الجهاز بالذات بكل هذه الامتيازات دونا عن باقي الأجهزة الأمنية كالأمن الوطني والدرك الملكي وغيرهما؟  ولعل غياب إجابات شافية لكل التساؤلات هو ما يجعلنا نجزم بأن عالم “المخازنية” يبقى قلعة حصينة جعلتها الدولة محاطة بهيبة كبيرة انتقلت إلى جميع الذين يشتغلون في القطاع، فلا غرابة إذا ارتبط اسم “المخزني” بصفة “السعادة” ليصبح جمعها على شاكلة “سعادة المخزني”.

وعلى ضوء المحنة التي يجتازها قضاة النيابة العامة، هل يمكن أن نتكلم اليوم عن بداية القطع مع كافة القرارات القمعية التي كانت الإدارة تعمل على تمريرها لجهاز النيابة العامة من أجل إعطاء الشرعية للمتسلطين على حريات المواطنين وكرامتهم؟ وهل ستكون “واقعة الاعتداء على نائب وكيل الملك” اللبنة الأولى في مسلسل التطبيق الصارم للقانون ضد أي تعنيف تقوم به القوات العمومية اتجاه المواطنين، والعبور إلى ضفة تصان فيها الحريات وتحفظ فيها الكرامة؟ نفهم أن النظام القضائي يحتاج في بعض الأحيان إلى رجات عنيفة تمكنه من التطور والتغيير، من المراجعة والتقييم لفهم التحديات وتحديد العقبات وإدراك المتغيرات لكن دون إضعافه أو المساس بكرامة القضاة وهيبتهم، لان في ضعف القاضي ضعف المجتمع، وقد ذكر إبراهيم بن أبي عثمان عن سليمان بن أبي شيخ أن رجل جاء إلى أبي الموفق سيف بن جابر فأغلظ له فحبسه، فكلمته فيه، وقلت، إن هذا الرجل إنما حبسته لنفسك فإن رأيت أن تخرجه فقال: لنفسي لا، والله ولو شتمني فأنا على غير القضاء ما قلت له شيئا، ولكني حبسته للمسلمين لأن القاضي إذا وهن وهنت أحكامه فكان ذلك راجعا على المسلمين.

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق