منبر القراء

عندما تصبح النفايات مرآة لثقافة المجتمع وتمدنه

عبد الكريم سيف

 

لاشك أن عيد الأضحى لهذه السنة كان عيدا استثنائيا بسبب استمرار تفشي وباء “كوفيد-19” وتزامنه مع ارتفاع مؤشر عدد الإصابات مع ما رافق ذلك من مخاطر كثيرة خاصة بالنسبة لعمال النظافة، بالرغم من ذلك أبان هؤلاء عن همة وتجند كبيرين كما كان الحال طيلة جائحة “كورونا” وبذلوا جهودا مضاعفة  للتخلص من مئات الأطنان من النفايات المنزلية وأحشاء الذبائح لكسب رهانين أولهما الحفاظ على الصحة العامة للمواطن، وثانيهما المحافظة على نظافة شوارع المدن وجماليتها.

وبما أن المناسبة شرط فلا بد هنا من وقفة تأمل نستحضر فيها الظروف التي تشتغل في ظلها هذه الشريحة ومعاناتها مع بعض السلوكيات والممارسات المشينة التي تصدر عن الأفراد.

فمما لاشك فيه إن سلوك المواطن يمثل الحجر الأساس بالنسبة لأي مجهود يهدف إلى الحفاظ على البيئة وعلى الصحة العامة، لكن ما نعاينه من سلوكيات ترافق شعيرة عيد الأضحى مع ما يرتبط  بها من أنشطة مهنية موسمية (كعملية شي رؤوس الأضاحي، وبيع العلف و الفاخر …) في الشارع العام دون الالتزام بقواعد النظافة إضافة إلى العديد من السلوكيات التي تصدر عن العديد من المواطنين تزيد  من صعوبة مهمة عمال النظافة، كعدم احترام الكثيرين للطريقة المثلى  لرمي النفايات ووضعها في غير الأماكن المخصصة لها مما يجعل من شوارعنا وأزقتنا تبدو أشبه بمطارح للأزبال، زد على ذلك عشوائية التخلص منها، فرغم الأطنان من أكياس البلاستيك التي تم توزيعها بمبادرة من شركات النظافة إلا أننا لم نرى إلا النزر القليل منها.

هذا دون الحديث عن التصرفات التي تعيق عملية التنظيف اليومية لعمال النظافة واللامبالاة التي يقابل بها عمل هذه الطبقة كعدم احترام الوقت المخصص لرمي الازبال لتصبح عملية التخلص من النفايات على مدار اليوم هذا دون الحديث عن سرقة الحاويات و أحيانا حرقها والنتيجة محيط غير لائق رغم المجهودات المبذولة

وليس الحفاظ على البيئة أمر سلطوي إنما هو أمر كينوني تدركه الفطرة الإنسانية السليمة، بل إن الإبقاء على النفايات دون التخلص منها وتعريض النفس والمجتمع للخطر إنما يدخل في مصاديق قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، وليس من العقل أن يلقي المرء بنفسه إلى جحيم التلوث والأمراض المعدية والسارية، وإذا كان الوجوب متحققا في كل ذي نفس عاقلة مدركة لأهمية صيانة النفس والمجتمع والبيئة من النفايات فإنه لا يجوز وضع النفايات في موضع يوجب الضرر للمارة أو في أماكن عامة بحيث يتضرر منها الناس، كما لا يجوز رميها في ملك الآخرين.

إن معادلة الوصول إلى محيط  نظيف بدرجة كبيرة جد صعبة في ظل هذه السلوكيات و الممارسات التي تصعب من مهام أعوان النظافة ،فمهما بلغت درجة المجهودات وتنظيم العمل وكذا الوسائل المتوفرة، فالسلوك الحضاري شبه غائب في العديد من الأحيان ويؤثر بشكل مباشر وبطريقة سلبية على عمل المؤسسات القائمة على عملية النظافة.

فرهان الوصول إلى مدن وأحياء نظيفة هي عملية تشاركية واختصاص الجميع تتوحد وتتظافر فيها كل الجهود تبدأ من المواطن لتنتهي عند عامل النظافة، لأن المواطنة الصالحة تبدأ من الذات وتتمظهر في الخارج عبر إتباع النظم والتعاليم والوصايا الموضوعة التي تصالح عليها المجتمع عبر مؤسساته المختلفة ذات الشأن.

صحيح أن مجهودات عمال النظافة كفيل بخفض نسبة انتشار الازبال والنفايات في مدننا و احيائنا ، لكن يبقى السلوك الحضاري الواعي للمواطن هو الأساس من اجل الوصول لمحيط نظيف و جميل.  والأكيد أيضا أن حماية المنظومة البيئية والحفاظ على الوسط الذي نعيش فيه نظيفا وسليما من كل مظهر غير لائق، يتطلب تحلي جميع المواطنين بالحس المدني وبروح المسؤولية التي تجعل من الشارع والحديقة والمنتزه بيتا ثانيا لكل فرد. فلنرقى بسلوكنا إذن..

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق