منبر القراء

عزوف سياسي أم عزوف انتخابي.. هل سنولي وجهنا شطر “الشعبوية”؟

الحاج ساسيوي

باحث بالمنتدى الأوروبي للوسطية ببروكسيل-بلجيكا

 

يعتبر التمرين الإنتخابي محطة أساسية للتباري الحزبي أو أقول السياسي؛ حيث استعراض البرامج ومقارعتها، وتوظيف آليات التواصل والإقناع والإستقطاب. وجدير  بالذكر أنه مع اقتراب هذا التمرين الإنتخابي، تكثر الإستطلاعات وتصدر التقارير والدراسات المرجحة لهذا الطرف أو ذاك، وبطبيعة الحال فإنها تستند في ذلك إلى عدة آليات ومعايير تختلف درجات دقتها، بغية التوصل إلى نتائج استشرافية توقعية ذات منسوب صدقي متميز. ولا يقتصر الأمر على الجانب التخصصي الذي يخضع لضوابط علمية رصينة، بل يتعداه إلى انطباعات صادرة عن أغلب فئات المجتمع أثناء لقاءاتها المجتمعية ودردشاتها اليومية المختلفة.

إن الملاحظ في أغلب الحالات وفي كلا الصنفين، أن الأمر يشتبه على الكثير منها، فيتم الخلط بين عملتين مختلفتين أشد الإختلاف، بين السياسي والإنتخابي. لن نتردد منذ البداية إن أعلنا وجزمنا،  وبالفم الملآن، ودون أدنى درجات التردد، أن العزوف الذي اجتاحنا وبقوة غير متوقعة، هو انتخابي بامتياز، ولا علاقة له بالسياسي. لن نبذل جهدا معتبرا للتدليل على ذلك، فالأمر لا يحتاج إلا إلى القليل من الانتباه، فالعزوف الإنتخابي تعكسه الأرقام الرسمية المصرح بها عقب كل عملية انتخابية على اختلاف أنواعها ودرجاتها، والتي تبين بما لا يدع مجالا للشك بأن عزوف الناخبين عن التصويت أمر واضح وجلي، بغض النظر عن أسبابه، بل إننا نلمس أن هذا العزوف ناتج عن حالة نفسية تستند إلى قناعات قد تشفع لمتبنيها هكذا موقف. وبالمقابل، فمن خلال لمحة لحقلنا السياسي والتدافع المجتمعي الحاصل فيه، يتبين ألا عزوف سياسي لدينا، فاجتماعاتنا العائلية وغيرها تتخذ من الشأن السياسي بكل تجلياته مواضيع للنقاش ول”البوليميك” السياسي، فيتم طرح القضايا السياسية وتفصيلها بغض الطرف عن درجة الإلمام بحيثياتها ومآلاتها، وبصرف النظر عن مدى قدرة الخائضين فيها على فهم المصرح به فيها، وكشف واسنطاق المسكوت عنه لديها.وتتضح الرؤية فور انتقالنا إلى العالم الإفتراضي، إذ أننا نستحضر مدى تأثير  الحملات التي خاضها رواد شبكات التواصل الإجتماعي في الكثير من القضايا ذات الأهمية القصوى، ومدى تأثيرهم في اتخاذ القرارات المناسبة؛ والأمثلة على ذلك كثيرة ، فقد تم التصدي للقضايا التي تهم الشأن المجتمعي، سواء أكانت ذات طابع سياسي أو اقتصادي أو صحي، أو غيرها. وسنكتفي بالتلميح لبعضها، كحملة مقاطعة بعض الشركات، أو الكشف عن بعض الجرائم المختلفة والمطالبة بمعاقبة الجناة، أو التنبيه إلى تعسف سلطوي استهدف المساس بمبدإ حقوقي  إنساني؛ أو غيره….؛ وهنا لابد أن نسجل الإستجابة الفورية التي تبادر السلطات إليها، إما توضيحا أو تنفيذا. كل هذا يتم – غالبا- في غياب ملحوظ لمعظم الهيئات السياسية الحزبية؛ بل إن هذه الأخيرة لطالما كانت موضوع استهداف وانتقاذ من قبل هذه “المجموعات” المهتمة بالشأن السياسي، فقد تم انتقاد السياسة العمومية التي تنهجها الحكومة، وفي عدة مناسبات يتم التفاعل معها، إما بالتوضيح أو الإستجابة، بغض النظر عن طبيعتهما وجديتهما.لن نجازف أن هذا “التوجة/التجمع” السياسي يؤثر ويوجه بشكل كبير بوصلة السياسات العمومية المتبناة.

إن مايثير الإنتباه ويدعو إلى القلق،هو  الحقيقة الماثلة أمامنا في زمن ننشد فيه بناء الدولة الحديثة، المتباهية بمؤسساتها السياسية، والتي يأتي في طليعتها المؤسسات الحزبية؛ هي كوننا نعزف انتخابيا ونقبل ونهرول سياسيا؟؟؟ نعترف منذ البداية أن الأسباب متعددة ومركبة وتراكمية، لنكن منصفين، لا يمكن أن نحمل تداعيات هذه الوضعية الشاذة والبئيسة التي تعيشها أحزابنا السياسية في حالتها الآنية لها بمفردها دفعة واحدة؛ نعم تتحمل نصيبها فيها، وهي “ضالعة” فيه. نصيب يتجسد في “مسخ تنظيمي” أصابها في مفصل، فلم تعد تقوم بأدوارها المخولة لها دستوريا على الوجه الأصح، حيث ضعف التنظيم وضبابية الرؤية؛ فمنسوب الديموقراطية داخلها يتسم بالهزال وبشكل تدريجي. والأفظع أن آليات اشتغالها تتصف بالتقليدية والمجاوزة؛ وأعطابها –إذن- كثيرة ومتراكمة، ولا يمكن عدها وتشخيصها. إن المطلوب اليوم هو الإنطلاق في وضع خطة ل”لإصلاح الحزبي” على غرار ما عرفته مؤسسات أو قطاعات أخرى كالتعليم والقضاء،وغيرهما. لا بديل لدى أحزابنا أمام هذه الوضعية “الحرجة” التي تعيشها سوى الوقوف مع الذات من أجل “تحلية وتخلية” حزبية،ستمكنها لامحالة من تصحيح مسارها، وبالتالي المساهمة من جديد في بناء صرح “الدولة الحديثة”،دولة تحتضن الكل،دولة القرن الحالي وما بعده، التي تتطلع لبناء وطن يستوعب الجميع.لسنا من المتشائمين،فقد يحدث هذا؛ لكن ماذا لو لم يقع ذلك،وبقي الوضع رتيبا؟ ماذا لو انحرفت هذه المجموعات “المنتقدة” و”الغاضبة” عن مسارها الحالي؟ هل سنتجه نحو “الشعبوية”؟؟

أصبحت ظاهرة “الشعبوية” موضوعا ملحا وآنيا،وتم الترويج لها على المستوى الإعلامي والأكاديمي؛ خصوصا عند وصف حركات يمينية،نشأت وانتشرت خارج الأحزاب القائمة،وسياسيين جدد برزوا وتألقوا من خارج هذه المؤسسات الحزبية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية؛ولم تقتصر هذه الظاهرة على البلدان المتقدمة بل تعدتها إلى الدول النامية بما فيها دولنا العربية على الرغم من صعوبة التمييز فيها بين “الشعبوي” و”الشعبي”(سيكون موضوع مقال لنا في القريب). تتميز “الشعبوية” بكونها خطابا سياسيا يجمع بين المخاطبة والممارسة (الإستراتيجية السياسية)،وهي أيضا مزاج سياسي حاضن لخطاب الغضب لدى فئات اجتماعية متضررة ، نتيجة تناقضات اقتصادية وسياسية وثقافية أدت إلى تهميشها وقلقها وغضبها. وتجدر الإشارة إلى أن الخطاب “الشعبوي” يحتكر الحديث باسم الشعب حتى في الحالة التي يمثل فيها أقلية،مفضلا نمط القيادة المتواصلة(الزعيم الكاريزمي) مباشرة مع الجمهور،وهو الشيء الذي تيسره وسائل الإتصال الحديثة؛كما أنه يميل إلى تصنيف “نحن” و”هم”،وبالتالي يعرقل التعددية الديموقراطية.

مجمل القول؛ولتدارك الوضع،فإن مسؤولية أحزابنا اليوم جسيمة،فالأمر  يتطلب منها تصحيح مسارها؛أولا، على المستوى التنظيمي يجب أن يتسم بالتجديد والدقة والعدالة والديموقراطية،وغيرها.وثانيا،رسم رؤية استشرافية محكمة وطموحة،قادرة على استيعاب الجميع دون اقصاء أو احتكار؛ تلك مهمة يحتاجها وطننا ،بغية إرساء ودعم أسس بناء صرح  “الدولة الحديثة”.

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق