منبر القراء

جماعة مكناس.. نعرات في فهم موضوع الباقي استخلاصه

قد نفهم جيدا درجة تذمر بعض المكناسيين مما يجري ويدور داخل دهاليز جماعة مكناس في غياب المعلومة التي من شأنها شفاء غليلهم ووضعهم في موضع المتتبع المدرك اللبيب الناضج وتجنب سقوطهم في معترك الملاحظ الجاهل الغافل  كما حصل للبعض في مسيرتهم للبحث عن الحقيقة وتنور ساكنة المدينة، بعد أن اختاروا طريقا دون أن يتجهزوا بالعدة والزاد، فأما العدة فهي بلوغ المعرفة والتمكن من التحليل السليم للإحداث والمواقف، وأما الزاد فهي المعلومة الحقيقة والتحري من مصداقية مصادرها.

فما يحصل اليوم لبعض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي من نقاش يخص تدبير ميزانية الجماعة وخصوصا ما يتعلق بموضوع الباقي استخلاصه وذهابهم إلى حد اتهام المسؤولين بالفساد وتبديد المال العام يمينا وشمالا يمكن أن نلخصه في مقولة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عندما قال” لو سكت الجاهل ما اختلف الناس”. فاعتقاد هؤلاء الجهلة على أن هناك فساد مستشري في مرفق من مرافق الدولة هو اتهام ضمني بتواطئ أجهزة رقابة الدولة مع هذا الفساد، وهو ما لا يقبله أي عاقل خبر بأغوار الإدارة. صحيح أننا بحاجة إلى نقد بعض الممارسات غير السليمة في إداراتنا، كما أنه من حق كل واحد منا أن يقول رأيه ويبدى وجهة نظره، ما دام ذلك في الإطار المنطقي السليم وبأسلوب راق ومتحضر، ومن حق الطرف الآخر أيضا أن يرد على كافة الرؤى ووجهات النظر تجاه عمل قام به أو له علاقة به بشكل أو آخر، لكن ما بين هذا وذاك هناك أصول وقواعد وضوابط للنقد البناء، بحيث يكون أقرب إلى النصيحة منه إلى العداء، وهنا نشير إلى أبيات قالها الإمام الشافعي “تَعَمَّدني بِنُصْحِكَ في انْفِرَادِي وجنِّبني النصيحة في الجماعة/‏فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ من التوبيخِ لا أرضى استماعه/‏ وَإنْ خَالَفْتنِي وَعَصَيْتَ قَوْلِي فَلاَ تَجْزَعْ إذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَة”.

وما دام موضوع السجال الدائر اليوم بمكناس هو الباقي استخلاصه لا بأس من باب الواجب الإعلامي أن نحرص على تنوير الرأي العام بهذا الموضوع الذي يكتسي أهمية كبيرة ليس على المستوى المحلي بل حتى الوطني، فهو باختصار مجموعة من الأموال المستحقة التي لم يتم استيفاءها في وقتها المحدد، وتبقى الجماعات الترابية على المستوى الوطني من بين المؤسسات الأكثر تأثيرا به، أي الباقي استخلاصه، علما أن هذه الأموال غير الموجودة تدخل وتدرج في حسابات فصول الميزانية والحسابات الإدارية سنة بعد أخرى.

ويتشكل الباقي استخلاصه من المداخيل التي لم يتم جردها من قبل الإدارة الجبائية المحلية والتي لم تتمكن من تحصيلها في وقتها، كما يتشكل أيضا من مجموع المداخيل التي أوكل المشرع أمر تحصيلها للقباض والتي لم يتم استخلاصها في وقتها أيضا. وتبقى جماعة مكناس من بين الجماعات الترابية التي تعاني من هذه المعضلة التي تؤرق ميزانيتها، ويبقى الرقم جد كبير من الباقي استخلاصه، مشكلة  بين الرسوم أو الضرائب المحولة الذاتية للجماعة والرسوم أو الضرائب المحولة للقباضة.

وبحكم أن الجماعات تعتبر شريكا أساسيا للدولة في التنمية والتي أصبحت اليوم غير قادرة على قيام بدورها المنوط بها كقاطرة للتنمية في ضل الأرقام المخيفة للباقي استخلاصه، والذي يؤثر بشكل كبير على تقديراتها المالية السنوية، وبالتالي أصبح لزاما اليوم على الدولة، التفكير مليا من اجل الخروج من هذه المعضلة في إطار حكامة مالية وتدبيرية على اعتبار أن الباقي استخلاصه اليوم أصبح  ظاهرة وطنية تعاني منها مختلف الجماعات الترابية، نظرا لتفاقم حجمها وارتفاعها من سنة إلى أخرى، دون اتخاذ إجراءات حاسمة للقضاء على الوباء المالي الذي ألم بالميزانيات المحلية، وأدت إلى تقلص موارد الجماعات الترابية.

ولا يكتمل الحديث عن الباقي استخلاصه دون معرفة الإشكالات المرتبطة بالنظام الجبائي المحلي، وبطرفي العلاقة الجبائية المحلية. فإذا كانت الإدارة الجبائية الفاعل الرئيسي في نجاح أي إصلاح جبائي محلي، فإن واقعها العملي يكشف مجموعة من الإختلالات  الإدارية سواء من الناحية القانونية أو المادية أو البشرية .

لا يمكن للباقي استخلاصه أن يستفحل بهذا الشكل دون أن تتضافر عدة عوامل وعلى أكثر من مستوى للإسهام في تضخيمه، فالباقي استخلاصه مجموعة من المداخيل التي تم جردها من طرف وكالة المداخيل الجماعية. ولم يتم تحصيلها في وقتها حيث تقوم الجماعة الترابية قبل نهاية كل سنة مالية بتوجيه أوامر التحصيل بشأنها  إلى القابض الجماعي الذي يصبح بمجرد استلامها مسؤولا عن جبايتها.

فعلى مستوى الإدارة،  فهي تعرف عيوبا تتعيق  الجهات المسؤولة عن استخلاص الرسوم بداية من الآمر بالصرف، فالمشرع خول للآمر الصرف وحده سلطة الفرض التلقائي للرسوم المحلية بصورة انفرادية، عندما يتبين له أن الخاضع لم يدلي بإقراره بالمرة، أو أنه أدلى بإقرار ناقص يفتقر للمعلومات والبيانات اللازمة لربط الرسم و تحديد مبلغه، فهو لم يشرح الأساس الذي سيسحب عليه هذا الرسم، وبالتالي سيكون المبلغ المفروض أكبر من المبلغ المستحق، إضافة إلى أن المشرع نفسه لم يراعي أنشطة الخاضعين، فأغلب الخاضعين من المهنيين الصغار يتعذر عليهم تقديم إقرارا بصحة المدخول. و هذا ما يعرضهم لفرض الرسم التلقائي في حين كان من الأفضل ملائمة تحديد الوعاء وفقا لطبيعة الأنشطة الممارسة داخل تراب الجماعة الترابية الواحدة .

و من الأسباب كذلك التي تجعل المحصلين غير قادرين على تحصيل الديون المستحقة للجماعات الترابية، التضارب الملاحظ بين بعض الرسوم المحلية وبين بعض ضرائب الدولة. من بينها الرسم على استغلال المحلات التجارية كالمقاهي و المطاعم، بحيث تنتفي أحيانا قاعدة وحدة الإخضاع الجبائي للمادة الضريبية أو الوعاء وتحل الازدواجية والثنائية الجبائية وهذا يشكل عبئا على كاهل الخاضع . مما يجعله يرفض تأدية أحد الرسمين أو عدم تأديتهما معا و اللجوء إلى القضاء للتظلم، مما يحول دون استيفاء الرسم نظرا لطول المسطرة.

إضافة إلى انعدام التنظيم الهيكلي الموحد للإدارة الجبائية. الأمر الذي ينجم عنه تداخل الاختصاصات على مستوى تصفية وتحصيل الجبايات، وهو ما يكرس إثقال كاهل بعض المصالح الجبائية كشساعة المداخيل الجماعية بمهام إضافية تؤثر على فعاليتها، كما أنه يؤدي إلى تهميش بعض الجوانب الأساسية في عملية التواصل مع الخاضعين، خاصة  تلك المتعاقبة باحترام حقوقهم و توعيتهم بواجباتهم .
إن أية جباية محلية مهما منحت من صلاحيات واختصاصات. ومهما تم تعزيزها بالنصوص القانونية، فإن مردوديتها تظل جد محدودة مادامت الظروف المواتية للعمل لم تتوفر بالشكل المطلوب خاصة في ظل تواضع وضعف الإمكانيات المادية والوسائل الضرورية للعمل. لدى فأغلب الإدارات الجبائية لا تتوفر على  الموارد الكافية للقيام بمختلف المهام المنوطة بها.

فأغلب الإدارات الجبائية لا تتوفر على تجهيزات ووسائل تمكنها من استخلاص الجبايات المحلية، كانعدام وسائل النقل لدى العاملين بالإدارة لتنقل أعوان التحصيل إلى أماكن التفتيش و التأكد من المعلومات و الإقرارات، وبالتالي فالمأمورين يعزفون عن أداء واجبهم بحجة ذلك، و الذي يؤدي بشكل مباشر إلى عدم استخلاص عدد كبير من الجبايات .

إن كل ما يمكن أن نخلص إليه من آليات لمواجهة التحديات التي تطرحها مشكلة الباقي استخلاصه، إصلاح وتأهيل الإدارة الجبائية أولا،  بتنظيم هياكلها و تأهيل مواردها البشرية كما ونوعا، وتحفيزهم ماديا ومعنويا وتوفير الوسائل و المعدات والبرامج المعلوماتية اللازمة للقيام بمهامها.
وكذلك منح الجماعات الترابية سلطة وضع السياسة الجبائية. ومنحها حيزا من الاستقلالية المالية، لان السياسة المالية التي تعدها الدولة للجماعات الترابية لم تعد تعبر عن حاجيات هذه الأخيرة، و لا عن تطلعات ساكنتها، كما لا تجعلها قائمة على شانها المحلي بكيفية جيدة.  كل هذا لنصل إلى خلاصة جوهرية ألا وهي أن المعرفة إن كل عملية فكرية تستوجب وجود ذات عارفة متصفة بالوعي والعقل فمرحبا بها، أما إن كانت نتيجة نعرات سياسيوية فلا للعجلة وانأوا من خوض غمار الاستحقاقات قبل أوانها وادخروا الجهد إلى حين، فيوم الحسم ليس ببعيد.

المزيد

مقالات ذات صلة

Google Analytics Alternative
إغلاق