الجالية المغربية.. الملك أعزها وهؤلاء أذلوها

شكلت قضايا الجالية المغربية بالخارج أولوية كبرى لدى عاهل البلاد منذ اعتلاءه العرش، حيث منحها أهمية بالغة من خلال حرص جلالته على تفعيل مجموعة من الأوراش والبرامج التي ساهمت بشكل ملموس في تجويد نمط عيشها بالمهجر وتلبية احتياجاتهم، وكذا تيسير استفادتهم من الخدمات العمومية داخل أرض الوطن. وتعزز هذا الاهتمام مؤخرا بدستور 2011 الذي ترجم  لأول مرة انشغالاتهم من خلال حرصه على تكريس حماية حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فتجليات التلاحم بين الجالس على العرش، والجالية المغربية المقيمة بالخارج، تكمن أولا في مواكبة جلالته المستمر لقضاياها المهمة والآنية في نفس الوقت، وثانيا من خلال المبادرات التي يطلقها من حين لآخر والتي تعكس عمق الروابط ومتانتها بين الملك ورعاياه. فجلالته يعتبر الجالية المقيمة بالخارج “من مقومات المغرب الجديد، بل وفي طليعة الفعاليات، التي تساهم بكل صدق وإخلاص، في تنمية البلاد، والدفاع عن وحدته الترابية، وإشعاعه الخارجي، في ارتباط وثيق بالهوية المغربية الأصيلة”.

ودائما ما كانت مظاهر الحب بين عاهل البلاد ورعاياه بدول العالم بادية للعيان، ومضربا للمثل، ومُيقِّظا لمضجع الأعداء، ولعل الجميع تابع الوقع الإيجابي للمبادرة الملكية الرامية إلى تسهيل عودة الجالية المغربية إلى أرض الوطن بأثمنة مناسبة من خلال إعطاء تعليماته السامية إلى كافة المتدخلين في مجال النقل الجوي، خاصة شركة الخطوط الملكية المغربية، ومختلف الفاعلين في النقل البحري، لتوفير العدد الكافي من الرحلات، وتمكين العائلات المغربية القاطنة بالخارج من زيارة وطنها وصلة الرحم بأهلها وذويها، في هذه الظروف الصعبة التي تجتاح العام والمتعلقة بانتشار وباء كورونا.

وهي التعليمات التي قامت وزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك والماء، بترجمتها من خلال استئجار باخرتين بطاقة استيعابية تصل إلى 2000 راكب و500 سيارة لكل باخرة، في إطار صفقة عقدتها السلطة الإدارية  لميناء طنجة المتوسط،  مع إحدى شركات الملاحة الشركة المغربية ” Intershipping” المدانة بمبلغ يزيد عن 280 مليار سنتيم لفائدة إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة بجهة طنجة تطوان الحسيمة، والمديرية العامة للضرائب التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية وتحديث الإدارة.

ودون الخوض في حيثيات هذه القضية، فأول سؤال يتبادر إلى الذهن، هو ما مصلحة القائمين على هذه الصفقة من ترشيح شركة وهم يدركون أكثر من  غيرهم تورطها في التهريب الضريبي وتحويلات مالية غير قانونية يجرمها القانون؟ وماذا كان الثمن، أو بالأحرى ثمن التغاضي عن وضعية شركة مدانة  التي تتخبط في الفساد وغير قادرة على تأدية مثل هذه المهام الوطنية النبيلة، وتقدميها على أنها الاختيار الوحيد والانسب؟ إن من أشِّر لهذه الصفقة  بغض النظر عن خلفياته من ورائها لم يكن يقصد تنفيذ التعليمات الملكية، بقدر ما كان هدفه إهانة المغاربة مع سبق الإصرار، وجعلهم اضوحكة بين الشعوب. اليوم لم يعد مسموحا إذلال رعايا الملك والحط من كرامتهم لمجرد مصلحة ما، أو لأجل غاية ما، لسبب بسيط هو أننا لم نعد نكفي خيرنا شرنا، كما كنا في السابق، بل أصبحنا في معترك لا يسمح فيه بالخطأ، وبالتالي، بات مرفوضا أن نمنح لأعداء الوطن الفرصة ليشمتوا فينا. في الوقت الذي نحن فيه مجندون للدفاع عن حوزة الوطن من أي موقع نتواجد فيه، وجعل مصلحته من المقدسات.

فما قام به مسؤولو ميناء طنجة المتوسط لا يمكن السكوت أو غض الطرف عنه،  على اعتبار أنه حادث عرضي، بل محاسبة المتورطين الذين كانت لهم مسؤولية إبرام هذه الصفقة المشبوهة التي كلفت خزينة الدولة أزيد من 800 مليون سنتيم في ظرف 10 أيام،  مع شركة غير مؤهلة، والا مسؤولة،  وسجلها مثقل بالخروقات والمتابعات القضائية، ومحاسبتهم أيضا  إلى جانب الشركة على الاستهتار بمصير الجالية المغربية، التي فرض عليها قسرا المبيت في العراء لليالي عدة بميناء “سات” الفرنسي، وأداء ثمن الحجوزات نقدا  بدل المعاملات البنكية، لأن هذه الأخيرة  تعلم مسبقا أن حساباتها البنكية محجوز عليها. فهل يوجد أكثر من هذا الاستخفاف؟

مر أكثر من ثلاث أسابيع على هذه الفضيحة، ولم نسمع عن تحرك أي جهة رسمية للتحقيق في هذه القضية، كأن واقع الحال يوحي بأن هناك أيادي خفية تعتبر نفسها فوق القانون تريد طمس هذا الملف، وتتستر على المتورطين المباشرين وحمايتهم من المحاسبة والمتابعة القانونية، مثلما سبق لهم الافلات من ملفات أخرى تزكم نتانتها الأنوف. وفي هذه الحالة تبقى مسؤولية عبد القادر عمارة وزير التجهيز والنقل وللوجيسيك والماء ثابتة، ما لم يتخذ أي خطوة في الموضوع، عبر فتح تحقيق موضوعي ونزيه في إطار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ليتسنى معرفة مصدر  هذا العبث ومن وراءه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى