أبرشان.. خروج مهين وعودة محتشمة

بعد رحلة مليئة بالعبث وسوء التوقع والارتباك، انتهت مغامرة عبد الحميد أبرشان بالعودة  أخيرا إلى البيت الذي غادره منذ شهور دون أن يكشف أسباب هذه الخطوة غير المحسوبة. عاد السياسي “الضال” من حيث انطلق واضعا بذلك حدا لمسيرة مليئة بالإشاعة والتظليل، ومؤكدا في الوقت نفسه هشاشة قيمة الالتزام الحزبي والسياسي التي تطبع العلاقة القائمة بينه  وبين الاتحاد الدستوري، ومبرزا الحد الذي وصل فيه تفشي قيم الارتباط المصلحي والانتهازي بينهما والمتأثر بطبيعة الظرفية السياسية وتقلباتها في ظل نظام سياسي لازال يشتغل بآليات الزبونية والريع السياسي.

لقد تعودنا في أبجاديات الممارسة السياسية الحقيقة أن بناء الثقة بين الحزب ومناضليه تبدأ أولا بتقوية رصيد المصالحة ونقد الذات، وبتكريس مبدأ الوضوح والصراحة والشفافية في الفعل والمواقف سواء بين المناضلين وقادتهم، أو بين المنتخبين والناخبين، تلك العلاقة التي يجب أن تكون مبنية على ثقة عميقة والبعد الأخلاقي.

أبرشان عندما قرر مغادرة الاتحاد الدستوري لم يُعر اهتماما لأي أحد، ولم يُبرر أقدامه على الخطوة  لأي أحد بما فيهم ناخبوه. والسبب أنه لا يعي أن العلاقة التي تربطه بهم  تؤطرها مجموعة من القيم كالإخلاص والالتزام والوفاء والاستقامة والتفاني في خدمة الصالح العام، هذه القيم التي تشكل الاسمنت الحقيقي الضامن لاستمراره كفاعل أساسي بالأجهزة المنتخبة. فهل يتذكر الرجل كيف كان يسعى إلى كسب الناخبين كي يحظى بأكبر قدر من التأييد وكسب أكثر عدد من الأصوات، حتى يضمن فوزه في الانتخابات، وبالتالي وصوله إلى منصب رئيس مجلس عمالة طنجة أصيلة؟ فلا نعتقد أن ذلك كان مجرد صدفة.

صحيح أن ظاهرة الترحال السياسي أو ما يسمى بتغيير المسار السياسي هي ظاهرة مرتبطة بحرية الفرد في اختيار انتماءاته السياسية، لكن بالنسبة للنموذج الذي بين أيدينا نجد أن الوضع بعيد عن هذا التعريف، فصاحبنا انتقل بين أحزاب متناقضة فيما بينها، بين الليبرالي واليساري والمحافظ، وانتقاله لم يكن مرتبطا ببحثه على حزب يتلاءم مع قناعته، ولكن من أجل الظفر بفرصة أكبر  لبلوغ كرسي عمودية طنجة أو دخول البرلمان. وهو ما يخلق نوعا من الكفر في العملية السياسية، وبالتالي هجرة صناديق الاقتراع إذا من غير المعقول أن يصوت المواطن تصويتا سياسيا أي بناء على برنامج حزبي، ويجد الفاعل السياسي قد بدل انتمائه السياسي.

أضف إلى كل هذا موقف قيادة الاتحاد الدستوري بطنجة من هذه الواقعة يطرح أكثر من علامات الاستفهام  ويؤكد نظرية الحزب “الضيعة”   الذي يتحكم فيها “مول الشكارة”. فالقادم إلى الحزب كالخارج منه لا يشكلون أدنى تأثير،  وبالتالي لا مكان للشرح والتوضيح أو “صداع الراس” بلغة صاحب العقد والربط. ولعل هذا ما دفع  أبرشان إلى إلتزام الصمت في المغادرة والعودة على الرغم من أن الخروج كان مهينا والرجوع  كان بئيسا ومحتشما،  فلا غرابة إن لم يصدر عن الحزب حتى هذه اللحظة أي ردة فعل تذكر،  أو حتى بلاغا يشرح  فيه للمتعاطفين معه ماذا يقع داخل دهاليزه، فهل يدخل هذا في باب سوء تقدير العواقب أو هي عجرفة مول الشكرة والتقليل من شأن المتعاطفين مع الحزب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى