التهافت على عمودية طنجة

تعتبر من الناحية المبدئية الجماعات الترابية فضاء لممارسة ديمقراطية القرب بامتياز، وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار مجالس الجماعات بمثابة التعبير الحقيقي عن هذه الممارسة التي يبقى هدفها الأساسي الاستجابة لمطالب وحاجيات وطموحات الساكنة. ومن هذا المنظور يلعب المنتخب الجماعي دور الوسيط بين الساكنة والمجلس الجماعي المنتخب فيه، حتى تكون قرارات هذا الأخير منسجمة مع المطالب المعبر عنها.

وبناء عليه إذا كان تهافت المنتخبين على الترشح في الانتخابات الجماعية يستند على هذه الاعتبارات، فإنه يمكن اعتبار ذلك مسألة صحية، قد توحي بتعامل هؤلاء مع المبدأ الديمقراطي من جذوره، واللعب على ورقة القرب من السكان. أضف إلى ذلك أن فوز المترشح في الانتخابات الجماعية يعطيه شرعية انتخابية على مستوى الدائرة التي ترشح فيها، وهذا يكسبه سندا قد يستثمره سياسيا داخل الحزب الذي ينتمي إليه.

لكن الدروس المستقاة من الواقع السياسي والممارسة الانتخابية للجماعات الترابية تكشف في بعض الأحيان، عن أهداف أخرى غير معلنة، بعيدة كل البعد عن تلك المبادئ المشار إليها أعلاه. فترى المرشح يحرص على الفوز والظفر بالمنصب بكل الطرق والسبل بحيث لا يرى فيه إلا الامتيازات والتشريف وليس المسؤوليات والتكليف.

مناسبة هذا الحديث ما أصبحنا نراه من تهافت بعض المرشحين الناجحين في انتخابات الثامن من شتنبر  من أجل حشد أكبر عدد من الأصوات، كما هو الحال بالنسبة لوكيل لائحة الاتحاد الدستوري عبد الحميد أبرشان  اللاهث على منصب عمدة مدينة طنجة. إذ يكفي أن نلقي نظرة على المسار السياسي للرجل لنعرف أي مصير ينتظر مدينة البوغاز إن هو فاز بعموديتها.  ففي الوقت الذي يرى فيه السواد الأعظم من الطنجاويين أن أبرشان لا يصلح أن يكون عمدة للمدينة، يرى آخرون وهم قلة قليلة خصوصا لوبيات العقار أنه الأصلح والأجدر.  فلا غرابة أن يكونوا من بين اللاعبين الأساسيين لاختيار العمدة المحتمل القادر على إخراج قرارات تخدم مصالحهم الضيقة سواء تلك المرتبط بالاستثمار  أو المتعلقة بالحصول على المعلومة الاقتصادية أو تلك المرتبطة بمعرفة الأراضي التي ستتحول إلى المجال الحضري، أو الصفقات وأشياء أخرى لا يتسع المجال لذكرها. فتهافت المنتخبين على احتلال المناصب السياسية، ليس دائما من أجل المصلحة العامة، بل غالبا ما تحضر المصلحة الخاصة، وبالتالي أخطر ما يهدد السياسة ويعصف بجاذبيتها الشعبية، هو ارتباطها بالمصلحة الخاصة الضيقة والأنانية، والجمع بين الثروة والسلطة، واستغلال الثانية من أجل الحفاظ على الأولى، وجعل الأولى في خدمة الثانية. فعلى أي أساس يحشد أبرشان الأصوات للظفر بالعمودية؟ على أساس البرامج الانتخابية أم التوجهات السياسة؟ بالطبع لا هذا ولا ذاك، وما يتحكم في التحالفات اليوم هو منطق تبادل المصالح لا غير. ويكفي أن نستحضر طوافه على الأحزاب السياسية قبل الانتخابات لنفهم أن الرجل لا تهمه مصلحة المدينة بقدر ما يهمه منصب العمودية.

منصب العمودية ليس وحده من يسيل لعاب السياسيين، بل هناك أمور أخرى أكثر جذبا وإغراء وأخطر مسؤولية، يتعلق بقسم التعمير  والطامح للظفر به هذه المرة  عبد السلام العيدوني عن الحزب الدستوري مهندس الإخفاقات في المسؤوليات التي تحملها خلال الولاية الانتدابية السابقة. فما السر وراء تهافت هؤلاء السياسيين على هذا القسم؟ هل هي مسائلة وفاء بالوعود  سبق وأن أعطيت قبل الانتخابات؟ هل سيكون المسؤول الجديد عن قسم التعمير مفتاح الخلاص للعديد من المشاريع العقارية المتوقفة أم أن في الأمر شيئ من “حتى”؟

..للحديث بقية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى