طنجة.. عندما لا يستحي لوبي العقار

لقد منحت الدولة للمنعشين العقاريين الفرصة ليكونوا لاعبين أساسيين في مباراة إقبار حلم أبناء هذا الوطن بسكن لا يحترم آدميتهم ولا يحفظ كرامتهم، وإبادة كل ما هو جميل في حياتهم، ناهيك عن المشاركة في مسخ المعمار المغربي الأصيل وتشويهه من خلال تفريخ تجمعات سكنية عبارة عن علب كبريت على حساب المساحات الخضراء وأماكن الاستجمام، فتحولت مدننا إلى ميناء كبير يعج بالحاويات المبعثرة من كل الأصناف و الألوان، مدينة طنجة كباقي مدن المملكة لم تسلم هي الأخرى من هذه الإبادة العمرانية حيث المشاريع السكنية الإقتصادية، التي تناسلت كالفطر ولا تتوفر على أدنى شروط العيش الكريم، ولا تحترم حتى القواعد البسيطة في إنجاز التجزئات السكنية، كالمساحات الخضراء والمرافق الاجتماعية والرياضية والثقافية، إضافة إلى أن مساحة الشقق، والتي لا تتعدى في أحسن الأحوال 50 مترا مربعا، تجعل منها صناديق سكنية أو معتقلات بأثمنة تزيد على 40 مليون سنتيم، إذا ما تم احتساب الفوائد عن القروض البنكية التي تبقى الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام غالبية المواطنين للحصول على هذه الشقق، التي لا تحترم الخصوصية المغربية و لا تعتبر بديلاً سكنياً يحترم كرامة المواطن ويقدر إنسانيته.

مناسبة هذا الكلام هو اللقاء الذي جمع اتحاد المنعشين العقاريين بعمدة طنجة، والذي قِيل عنه بأنه أثمر اتفاقا حول حلول مقترحة لحل أهم الإشكاليات التي تعترض المنعشين العقاريين بالمدينة  وفي مقدمتها غياب تصميم التهيئة، والبطء في معالجة ملفات المشاريع بواسطة منصة “رخص” التي تُمكن من التدبير اللامادي لطلبات التراخيص في مجالات التعمير والأنشطة ذات الطابع الاقتصادي، وذلك في إطار التدابير الاحترازية للحد من انتشار فيروس كورونا “كوفيد 19” ولتجنب أي تنقل أو إيداع أو معالجة مادية للملفات. والحقيقة أن المنعشين العقاريين ضاق عليهم الخناق بعد إقرار  وزارة الداخلية مشروع  الرقمنة الكاملة لمساطر تسليم الرخص وتنظيم عمل كافة الإدارات الترابية داخل منصة رقمية تفاعلية موحدة، إعمالا لمبدأ الشفافية وتحسين مناخ الأعمال وتجاوز العديد من الاختلالات التي كانت تطبع علاقة المنعش العقاري بالإدارة، ويتحكم فيها استعمال النفوذ والتماطل، والرشوة، وبالتالي لم يجدوا من بدٍ سوى طرق باب العمدة.

فماذا يمكن أن يقدم عمدة طنجة لاتحاد المنعشين العقاريين وأمر منصة “رخص” ليست بيده بل بيد وزارة الداخلية؟ ناهيك عن موضوع تصميم التهيئة هو الآخر، ألم يتساءل هؤلاء المستجدين لعطف العمدة من كان وراء تعطيل خروجه إلى حيز الوجود غير الاعتراضات المتعلق بارتكاب جرائم عمرانية فظيعة أبرزها تشيد عمارات سكنية على حواف الوديان وخروقات بالجملة لا يتسع المجال لسردها؟  صحيح لقد صدق الشاعر عندما قال “إذا لم تستحي فاصنع ما شئت” خصوصا عندما يتحدث هؤلاء المنعشين العقاريين عن “الإشكالات” التي تعترضهم، على اعتبار أن هذا الأمر أثر على عائداتهم، في حين أن واقع الحال يقول أن سوق العقار بطنجة عرف طفرة نوعية خلال السنتين الأخيرتين رغم جائحة “كورونا”، ورغم الاكراهات التي تحدث بلاغهم عنها، ولعل حجم المبيعات التي حققتها شركتي أبظلاس” و”أبا عقيل” خير دليل على أن لقائهم التواصلي مع العمدة ما هو إلا در الرماد في العيون، ورسالة إلى جهة بعينها من أجل “فتح الصنبور”،  وصورة واضحة لدرجة الجشع التي وصل إليه هؤلاء.   ألم يكفي هؤلاء استفادتهم من أراضي استراتيجية مهمة بالمدينة، مقابل مبالغ زهيدة لا تتعدى 200 درهم للمتر المربع وبيعها بعد تشييد العمارات عليها بأضعاف أضعاف ثمنها؟ ألا تكفيهم الامتيازات التي تمنحها الدولة لهم والمتعلقة بالرخص الاستثنائية والتسيهلات في أداء الضرائب؟ ألا تكفيهم عائدات “النوار” التي تعتبر أحد تجليات التملص الضريبي الذي يفوت على خزينة الدولة مداخيل هامة؟

وما دام اتحاد المنعشين العقاريين بطنجة قد خرج شاكيا باكيا مستنجدا عمدة طنجة لا بأس أن نذكر أعضائه مساهمتهم المحتشمة بالصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا “كوفيد19″، الذي تم إحداثه بتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وكيف أنها شكلت سخرية بموقع التواصل الاجتماعي على اعتبار أنها لا تليق لا بسمعة المدينة ولا بسمعة منعشيها العقاريين، وحتى فريق المدينة لكرة القدم أصروا على عدم دعمه ومد يد المساعدة له حتى في أحلك الظروف وكأنهم ليسوا من أبناء هذه المدينة وليسوا أول من استفاد من فضلها.

هي مناسبة إذن لنذكر من خلالها رئيس جماعة طنجة أن موضوع التنمية العمرانية هو ورش يجب بلورته وفق رؤى وآفاق وتوجهات أساسية تهم مستقبل المجالات الترابية وذلك باستحضار التطورات المستقبلية الممكنة والمتعلقة ببعض الرهانات المعتمدة منها على وجه الخصوص الحركية والتنقلات الحضرية والامتدادات العمرانية الأفقية بالمدينة علاوة على الكثافات والأشكال الحضرية في علاقاتها بتطور أنماط الحياة والنمو الديموغرافي، وذلك بهدف تنبيه هؤلاء المنعشين العقاريين بأن هذا المشروع هو خيار استراتيجي غير خاضع لا للابتزاز ولا للمساومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى