“أولاد الشعب” الذين قضوا على ما تبقى من مدينة مكناس

لم يتوقع أكثر المتشائمين المتتبعين للشأن المحلي أن تضم جل لوائح الأحزاب السياسية الباحثة عن موطئ قدم لها بالمجلس الحضري لمكناس خلال الولاية الجماعية القادمة وجوها ارتبطت أسماءها بمتابعات قضائية في ملفات الفساد وتبذير المال العام. ولا تزال حتى الآن تداعيات هذه القضايا التي اعْتُبرت فضائح من العيار الثقيل، وشغلت الرأي العام المكناسي لشهور معروضة على أنظار محكمة جرائم الأموال بفاس. ومع ذلك يحتلون المراتب الأولى باللوائح الانتخابية إن لم نقل وكلاء بها غايتهم في ذلك العودة لتسيير الشأن المحلي لما وجدوا فيه من سبيل نحو الاغتناء والثراء على حساب مصلحة المواطنين العامة.

فوضع هؤلاء المرشحين يشبه إلى حد كبير “حفاظات” الأطفال التي كلما احتفظت بها زادت عطونتها، فكذلك السياسي، كلما توغل في منصب المسؤولية كلما كبر حجم فساده واستبداده، وتراه دائم الدفاع يدافع عن “مخلفاته” خصوصا خلال الحملات الانتخابية عندما تواجهه بجرم “الحفاظات العطنة”، يخرج عينيه من جحورهما ويقدم مبررات على أن ما قام به كان في إطار المصلحة العامة.

ولعل هذا هو الوضع المزري الذي ضجر منه المكناسيون لإحساسهم أن هؤلاء السياسيين يستبلدونهم و ينتقصون من ذكائهم ويعتبرونهم ساذجا من السهل استمالتهم بالوعود الكاذبة والشعارات الرنانة وبعض الدريهمات. وتناسوا أن هناك المثقف والمؤرخ والشاعر والأديب الذي جاء دورهم ليقولوا كلمة الحسم، ويُوقفوا هذا النزيف، ويقلبوا الطاولة على كل من يضمر الشر لهذه المدينة ولساكنتها.

أفليس من الغباء أن نقرأ خلال الحملة الانتخابية لأحد الأحزاب المتنافسة شعارا جاء فيه” صوتوا على فلان وعلان أولاد الشعب” في إشارة إلى اسمين ارتبط تسيرهما للشأن المحلى خلال الولايات السابقة باستغلال منصبهما من أجل تحقيق مصالحهما الشخصية. فـ”ولد الشعب” الأول، ووكيل اللائحة الذي أصبح رجل أعمال بقدرة قادر، كان مسؤولا عن قطاع التدبير المفوض لشركتي النظافة والنقل الحضري عندما كان نائبا للرئيس المفوض له بالقسم التقني، ليُمَكِّن  إخوانه وأصهاره وأقرب المقربين منه من مناصب شغل بهذه الشركات يفوق ادني راتب شهري بها عشرة آلاف درهم، بالمقابل أبناء الشعب الذين يعتبر نفسه منهم خلال الحملة الانتخابية فقط فنصيبهم من “الكعكة” شاحنات الازبال وحاوياتها. فلا أظن أن “ولد الشعب” يسكن فيلا يتجاوز ثمنها 400 مليون سنتيم، ويمتلك العديد من المحلات التجارية بمدينة مكناس، وما خفي كان أعظم جعلته يضيف لقب “المولى” على اسمه ويصير من أعيان المدينة ومن وجهائها. أما زميله في حرفة “النهب” ولد الشعب” الثاني، فما إن مُكِّن مفاتيح المجلس البلدي، وخبر أصول اللعب في دهاليزه حتى صار في ظرف وجيز من أصحاب الملايين، بعدما لم يكن يحتكم سوى على راتبه كطبيب بوزارة الصحة. وقد كان للمصلحة التعمير التي كان مسؤولا عنها عندما كان نائبا للرئيس الفضل الكبير في نقله من طبقة “أولاد الشعب” إلى طبقة أبناء الأعيان وبدأت “المرقة” تظهر عليه خصوصا بعدما امتلك شقتين بعمارة وسط حمرية يتجاوز ثمن الواحدة منها 100 مليون سنتيم. ناهيك عن عمولات الصفقات والشراكات وأشياء أخرى كان لها الفضل في انتفاخ أرصدته. فأولاد الشعب بهذه اللائحة لا يقتصر على هذين النموذجين فقط، بل هناك ثالث لهما خبير بأمور المأكل والمشرب خصوصا، وانه تكلف بشؤون العديد من المصالح بالمجلس البلدي على اعتبار انه كان نائب الرئيس مكلف بالبحث عن “التغميسة” ومحاباتها، وأخرها شغله منصب المفوض له في قسم المواظفين واستغلاله لبطائق الإنعاش، وللترقيات والتعويضات. وأما إن سألت عن فيلاته وضيعاته وأرصدته البنكية، فحدث ولا حرج. الغريب أن “ولد الشعب” هذا لم ينطق ولو بجملة واحدة خلال دورة للمجلس البلدي منذ كان مستشارا لما يزيد عن أربع ولايات جماعية لذلك أطلق عليه لقب “المستشار الاخرص”. فهؤلاء هم “أولاد الشعب” الدين قضوا على ما تبقى من مدينة مكناس… يتبع

فؤاد السعدي – الجريدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى